مغامرات ومخاطرات في عالم الروحانيات والأحلام والهلوسة
كتاب كامل مجاني لأحمد شهاب الدين في محاولة تجمع بين التجارب والقراءة لاستكشاف عالم الأحلام والروحانيات وعقاقير الهلوسة
لمشاركة كتاب رحلات في عوالم الهلوسة والأحلام والروحانية لأحمد شهاب الدين مع الأصدقاء، اضغط على هذا الرابط:
كتاب إلكتروني مجاني، رحلات في عوالم الهلوسة والأحلام والروحانية كتابة أحمد شهاب الدين
ما يراه الصوفيون في حضراتهم الروحانية وهلوسات الرحلات السعيدة للإل إس دي
الجزء الأول
مدى مصر
«لفّ عقلي وخرج عن السيطرة بسبب تلك اللحظة، تكثفت مشاعري وأنا أفكر فيما أختبره، أتفاعل مع القوة التي تتجاوزنا كبشر. كنتُ في حالة فكرت فيها بتلك الطريقة ورحتُ معها، حالة تسببَت في هلاك الأنا، وأخذَتني في رحلة عبر الجنة والجحيم.
أغلقتُ عيني، واندفعتُ إلى ما أعجز عن وصفه إلا بالبُعد الآخر، شعرتُ بوعيي منفصلًا عن المشاعر العادية، لم أرَ في حياتي إلّا مجرد مرحلة صغيرة من مراحل الواقع. حياتي أضحت لا نهائية، عنصرًا صغيرًا في سلسة وجودية انحرفَت عني بنمط كسوري، رأيت الماضي والمستقبل لوعيي متجاوزًا حياتي الحالية، إلى ما وراء الكون.
… أسعدني هذا المفهوم سعادة لا نهائية، شعرتُ كما لو أن الجنة تُرحب بي؛ أخذتُ فكرةً عمّا يحدث بعد الموت».
لم تكن هذه رؤيا صوفية لأحد الأولياء أو البوذيين، ولم تنجم عن ممارسة تأمل أو أداء لطقس ديني، إنما لـ«سايكادول»، وهو اسم مستعار لحساب على موقع «ريديت» للتواصل المعرفي. وبطل الكلمات، كما يحكي في منشوره، شاب تعاطى عقار الـ«إل إس دي»، والذي يصفه الأدباء بأنه «كشفي» و«ملهم»، بينما يطلق عليه الأطباء اسم «عقار الهلوسة»، وهو محظور قانونًا في معظم دول العالم.
تطرح تجربة الأسيد، الـ«إل إس دي» وشقيقه «دي إم تي»، ويُعرّفها أصحابها بالـ«تربّاية»، منذ اختُبرت في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، الفترة التي شهدت ازدهار الهيبيين الذين تعاطوا العقار، تساؤلًا حول إمكانية فهم تجربة المتصوفة والأولياء، ببعدها الروحي والإنساني، عبر استخدام تلك العقاقير.
نحاول هنا مقاربة التجربة الصوفية عبر «تريبّات» الأسيد، وهي المحاولة التي تطرح تحديًا كبيرًا: ألا تنجم أحوال الصوفيين ومقاماتهم إما عن هبة من الله، أو من مجاهدات روحانية؟ هل تحددها حركات الخلايا العصبية في عقولنا التي تتغير بفعل هذه العقاقير؟ ألا يضرب احتقار الجسد ورغباته في جذور التجربة الصوفية؟
ما الذي يعنيه بالأساس الوجد الصوفي؟ هل يمكننا وصفه؟ هل يشبه النرفانا مثلًا لدى البوذيين، وإشراقات الرهبان؟ هل يُشترط فيه الإيمان بعقائد معينة، والمثول لطقوس بذاتها كشرطٍ لازمٍ من شروط المريد لمقاربة «ذوقية» تقربنا من فهم أحوال الصوفيين ومقاماتهم؟
يسألونك عن الروح
لا بد أولًا من فهم كيفية رؤية المتصوفة للروح، لأن تجربة التصوف هي في جوهرها تجربة «روحانية»، تعبّر عن نفسها بـ«عاطفة الحب»، التي أكسبتها الصوفية بُعدًا وجوديًا يتعشّق في الله أو الكائن الأسمى.
يقول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي إن حياة الجسم الظاهرة هي من آثار حياة الروح، كالنور الذي يظهر في الأرض من الشمس، فإذا مضت الشمس تبعها نورها لتبقى الأرض مظلمة، وكذلك الروح، إذا رحلت عن الجسم إلى عالمها الذي جاءت منه تبعتها الحياة، وبقي الجسم في صورة الجماد في رأي العين، فيُقال «مات فلان»، وتقول الحقيقة «رجع إلى أصله»: «منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى».
هكذا فهم المتصوفة الطاقة التي تجعلنا نرى ونشم ونتذكر ونفعل ونرغب ونكره.
كما أشار ابن عربي في كتاباته أن الرب سمّى الروح «هباءً»؛ «لا تنقسم، ولا تتجزأ، ولا تتصف بالنقص. هي كالبياض الموجود في كل أبيض بذاته وحقيقته».
لدى خلق الزمان، خلق الرب بحركته الروح المدبرة، ويسميها شيخ العارفين ابن عربي «روح محمد النبي»، ثم صدرت الأرواح عند الحركات، فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة.
الروح حركة عصبية؟
اقترح بعض العلماء تعريف الروح بوصفها «نشاط الأعصاب المرتبط بعملية الإدراك»، وحاججوا من يتمسّك بتأبّي العقل على إحاطة العلم به، بأن المادة أيضًا أثبتت أنها تنطوي على تحديات مشابهة، خاصة لدى دراسة العناصر فائقة الصغر مثل الجزيئات والإلكترونات والكويركات، حيث يسود الشك وانعدام اليقين.
ولكن ماذا لو أعدنا تعريف «الروح»، متخليين عن المفهوم اللاهوتي لها باعتبارها «الجزء الخالد في كينونة الإنسان أو الحيوان»، وحاولنا تبني مفهوم أكثر عصرية، لنقول إن المجموع الكلي للجوهر العصبي، الاتصالات العصبية، التشابك، وتدفق الناقلات العصبية، هي ما تجعلك أنت؟
بحسب هذه الرؤية، تخدّر عقاقير الهلوسة/ الكشف، الـ«إل إس دي» أو الـ«دي إم تي»، الدوائر العصبية المتعلقة بالإحساس بأنا والهوية، لتتحرك الخلايا العصبية في دائرة أوسع من المخ، في مناطق لم تتحرك فيها من قبل، وهو ما يحرر صاحبها من وجهة نظره الدوجمائية، فيتفهم التعددية، ويغرق في أمواج المحبة والسلام؛ ينتشي ويقع في حالة بصرية تختلف عن الإدراك البصري العادي.
هل نملك كلمات لوصف الوجد؟
يحاول أستاذ الفلسفة يوسف سلامة، في دراسة له بمجلة «جامعة دمشق»، تفسير الخبرة الدينية وفقًا للفينومينولوجيا، وهي فلسفة ظاهراتية تتخذ من الاستجابة الحدسية للظاهرة نقطة انطلاق، فيتساءل: هل من الممكن العثور على لغة مناسبة لوصف الخبرة الدينية المتعلقة بأهم تجربة دينية، وهي تجربة الله أو الكائن المتعالي؟
التحدي الأبرز والأكثر جوهرية في وصف التجربة الصوفية، بطابعها العاطفي المتعلق بالخبرة الدينية، أن تكون «ذات جدارة أبستمولوجية»، أي معرفية: هل يمكننا تعريف هذا الوجد الصوفي، ومعرفته؟
بحسب ما استعرضه يوسف سلامة في مقاله، فقد لاحظ المفكر الأمريكي وليام ألستون أننا لا نمتلك مفردات متطورة بصورة ملائمة لنستخدمها في «وصف الكيفية الفينومينولوجية للخبرة الصوفية». كما يشكّك الصوفيون أنفسهم في إمكانية فهم التجربة الصوفية إلا لدى من عايشها، فيقول محمد عبد الجبار النفري، صاحب «المواقف والمخاطبات»: «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة»، ويقول: «هذا هو حالك وأنت تكتب فكيف حالك وأنت لا تكتب؟»، ويقول الإمام الحلاج: «من ذاق عرف».
يقول ألستون إن الله هو الموضوع المباشر للإدراك الصوفي، ويحدّد أكثر مكمن عجزنا عن وصف التجربة الصوفية بقوله: «لا نستطيع بناء أي تضايف بسيط بين الشروط المثيرة أو المنبهة للإدراك الصوفي، وبين أنواع من الخبرة التي قد تظهر تحت شروط كهذه».
يصعب وصف الخبرة الصوفية، مقارنة بالخبرة الجمالية العادية، مثل أن يدير أحدنا وجهه نحو النسيم، حيث يتيسر لنا وصف تجربة كهذه، لأنه «من السهل أن نعيد خلق الشروط المثيرة أو المنبهة لمثل هذا النوع من الخبرة».
ولكن في النهاية لا ينبغي أن يمنعنا عجزنا عن إيجاد مفردات ملائمة من محاولة وصف الخبرة الصوفية بشكل معرفي.
المتصوفة أنفسهم، أصحاب العلم الباطن، يقسّمون الأمور لظاهر وباطن، فللإسلام مثلًا بنظرهم ظاهر وباطن؛ الظاهر متعلق بالجوارح، أي بالحواس، والباطن بالقلب.
ولكن غيرهم، بحسب سلامة، يرى أن الخبرة الصوفية «حالة للوعي الخالص أو للشعور الخالص: خالص بمعنى أنه ليس الوعي بأي مضمون تجريبي، إذ ليس له من مضمون سوى ذاته».
هل يختلف إله الصوفيين عن غيرهم؟
في كتاب «مدارات الصوفية»، يقول المفكر الصوفي العراقي هادي العلوي، إن المتصوف يتذاهن مع السماء مباشرة، ويصل إليها بلا وسيط، ويؤول الوحي من جبريل باعتباره رمزًا يُفسَّر ويُؤوَّل ولكن لا يُجسَّد، ويُسقط المتصوفة السلطة الدينية بينهم وبين السماء.
ولاحظ هادي العلوي أن المتصوفة استخدموا كلمة «الباري» بدلًا من «الله» أو «الخالق»، مفسّرًا هذا بأنه ينمّ عن اتجاه لإعطاء إله المتصوفة اسمًا خاصًا ومختلفًا، ليُقرّبه من مفهوم المطلق الذي تدور حوله الأشياء، ويكون هو مرجعها من غير أن يتميّز عنها أو ينفصل.
ويسير العلوي خطوة أخرى ليجد أنه يمكن تشبيه إله الصوفيين المسلمين بآلهة التاويين، أكثر مما يمكن تشبيهه بآلهة «المتدينين»، فيقول: «التصور الصوفي للخالق يختلف عن التصور الديني، فالحق لا يوجد في جهة ولا يحويه مكان، لكن التاويين والصوفيين اعتادوا في تأملهم على التوجه إلى السماء، بما يشير إلى اعتراف ضمني بإله الأديان.»
ويستعرض يوسف سلامة تجربة أخرى يطلق عليها «خبرة التوهم»، ويقصد بها «فاعلية الخيال القادرة على إنتاج خبرات متوهمة قائمة فيما وراء الحياة بل وفيما بعد الموت»، ويستشهد هنا بالصوفي الحارث المحاسبي: «الصورة الأساسية للإبداع الصوفي عند المحاسبي هي قدرة المخيلة على توهم خبرات يمر بها المؤمن يوم القيامة تبتدئ بالاستعداد لدخول الجنة وتنتهي بمعاينة الحق ذاته».
ويلفت نظرنا هنا الغموض المنتشر في عموم أدب الصوفية وتعاليمهم؛ ما الذي يعنيه «التوهم»؟ هل يعني أن نتخيل أنفسنا في يوم القيامة، نعيش انفعالات خيالنا ذاتها إلى الدرجة التي تصبح فيها حقيقية، ثم نقابل الحق ذاته بعد ذلك في النهاية؟
ربما تعمّد الصوفيون عدم الإفصاح عن تجاربهم بشكل دقيق، إما خوفًا من سوء التفسير لمن لم يختبر «توهماتهم»، وإما للقمع الذي عانوه من أهل الظاهر والرسوم، أي الفقهاء.
أحوال ومقامات
يُقسّم المتصوفة درجة المريد وتنقلّه بين المراتب الروحانية بـ«الحالات» و«المقامات»، والحال هو المعنى الإنساني الذي يختبره المتصوف كهبة من الله، إما لأنه من طبيعة المتصوف ذاته، أو أنه عارض يأتي ويزول، أما «المقام» فهو ما يسعى إليه المريد، ويحاول الوصول إليه باجتهاده وتقربه، وهو هنا ثابت.
يقول المتصوفة في أدبياتهم، بحسب يوسف سلامة، أن الحال «معنى يرد على القلب من غير تعمد منه، ولا اجتلاب، ولا اكتساب لهم من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو احتياج».
والمقام: «ما يتحقق به العبد بمنزلته من الآداب مما يتوصل إليه بنوع تبصر، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة تكلف».
ويقولون في الفرق بين الأول والآخر: «الأحوال مواهب والمقامات مكاسب، الأحوال تأتي من غير الوجود، والمقامات ببذل المجهود».
«التوهم» واختبار «المتعالي»، وعبادة «الباري»، و«الوعي الخاص»، في أحداث مُتخيَّلة ومُعتقَدة لما بعد الموت، كل هذا يكون مصحوبًا بـ«أحوال» و«مقامات»، ولا ينفصل عنها، مثل الالتزام بمقامات الصدق والصبر والرحمة.
وبينما نحن نقارب تلك الأحوال والمقامات بعيون علماء الأعصاب، تثار أسئلة أخرى: هل لاختبار «المتعالي» أثر مادي ملموس في الخلايا العصبية؟ هل هناك طريق آخر، مثل عقاقير الهلوسة، كما سنبين لاحقًا في الجزأين التاليين، قد يثير الأثر ذاته على تلك الخلايا، أي تُقلب الآية، ويكون الأثر هو ما يسبق التجربة الصوفية؟ هل يمكن هذا؟
ما يراه الصوفيون في حضراتهم الروحانية وهلوسات الرحلات السعيدة للإل إس دي
الجزء الثاني
مدى مصر
«أنا الأفعى التي تمنح المعرفة والبهجة والمجد المشرق وتحرك قلوب الرجال بالسكْر. لكي تعبدني عليك شرب الخمر والمخدّرات الغريبة، حيث سأقول لنبيي: كن سكرانًا، كن قوياً، آه يا رجل! الشهوة، استمتع بكل أمور المشاعر والوجد، وانتشِ. لا تخف من أي إله ينكر عليك هذه الأشياء.»
هذا ما قاله في موقع «فيتيرانز توداي»، أليستر كراولي، المشهور بالسحر ومؤسّس حالة الوصول إلى التحقق الكامل عبر المخدرات، والذي كانت لكتابه «القانون» عواقب بعيدة المدى في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
بطريقة تُذكرنا بابن عربي في كتابه «فصوص الحكم»، والذي زعم أن النبي محمد هو من أَملاه عليه، يقول كراولي إنه كتب كتابه هذا في مصر، في ثلاثة أيام من العام 1904، مسميًا مؤلِّف الكتاب «إيواس»، ومعرفًا إياه بأنه كان وزيرًا في مصر القديمة.
كان كراولي متمردًا على القيم المسيحية التي تربّى عليها، ولكن بدلًا من أن «يُرَوْحنها»، كما فعل الصوفيون مع الإسلام، أطاح بها، بحسب هيو أوريان من جامعة ولاية أوهايو الأمريكية، الذي يرى أن كراولي أطاح عمدًا بكل القيم الراسخة؛ رفضها سريعًا عندما كبر ليحلَّ السحر محلها.
الفطر.. الطعام السحري
تعتمد عقاقير الهلوسة، الـ«دي إم تي» والـ«إل إس دي»، على استخدام مشتقات الفطر «المشروم»، وتعود فكرة استخدام مشتقات الفطر لأغراض دينية إلى عصور قديمة.
في نفس المقال بموقع «فيتيرانز توداي»، يقول كولن ويلسون، وهو مؤلف كتب مُعمّقَة حول الروحانيات في العصور الوسطى، إن الفن في جميع أنحاء شمال أوروبا التقليدية يُظهر عفاريت وسحرة محاطين بنباتات الفطر، وهو عادة فطر «لايبرتي كاب»، ويُعرف الآن بـ«السيلوسيبين»، وهو الفطر ذاته الذي استخدمه شامانات الأمريكيون الأصليون منذ حوالي أربع آلاف سنة.
وفي رفض للقيم المسيحية، أشار كراولي لهذا التقليد قائلًا إن الدين الحقيقي عليه، بجانب الطقوس التي يُطلق عليها «النبيذ والنساء والأغاني»، استدعاء ديونيسيوس، إله الخمر اليوناني، وأفروديت، إلهة الحب اليونانية.
جدير بالذكر أن الفطر الأيرلندي يسمى بوكين، بمعنى «الإله الصغير»، بحسب ويلسون.
ولكن كراولي يعود ويحذر من كون الاعتياد على الفطر قد يسبب انخفاضًا في إنتاج السيروتونين في الدماغ.
يحدد المقال التأثير النفسي لتلك العقاقير في كونها تُسبب عدم وجود ضبط ذاتي، حيث يمكن لمتعاطيها الجدال من أجل الجدل، سواء كان مؤمنًا بما يقوله أم لا، ويجد نفسه مدفوعًا للحديث عن أشياء يعلم أنها قد تسيء إلى الناس، ويعتقد أن هناك روحًا تصاحبه، وأنه مُنجّم موهوب أو نبيّ.
يقول ويلسون إن العقاقير المخدرة تؤثر على شلِّ العقل المنطقي، ووضع القوى غير الواعية في مقعد القيادة الشخصية، وصحيح أنه قد تصدر عنها اكتشافات جميلة مختلفة، لكنها كثيرًا ما تكون مصحوبة بنوبات ذعر.
الفطر: تجربة الذروة
تجربة العقار لها طقوس وأباء روحيون ومريدون. أحد المريدين كان إبراهام ماسلو، الذي سمى التجربة «تجربة الذروة».
يقول الباحث جويس ميلتون في إشارة لماسلو: «رغم أن مواضيع ماسلو لم تكن دينية، إلا أنه تحدث عن تجارب شبه صوفية أدت إلى رؤى إبداعية دائمة، حيث يتحد الشعور الفردي نفسه مع الكون، بلا أنا، إلى الدرجة التي يكون فيها كليًا مع نفسه. يحدث ذلك عندما يضيع الراقص في الرقصة، ويتحول الكاتب بفعل الكتابة، وتتوحد الأم بالطفل في مشاعر صوفية. ورغم عدم وجود شيء صريح دينيًا [في التجربة] إلا أن ذلك يمكن أن يفهم في سياق علم النفس الديني».
وبدوره يقول كراولي: «لا قانون يتخطّى الإرادة. كل رجل وامرأة نجم. كلمة ‘خطيئة’ هي قيد»، تلك العبارات الثلاث التي بشرت بنهاية المسيحية وبمولد فجر عصر جديد.
رئيس وزراء الأسيد
بعد تعاطيه عقار الأسيد، يجلس الكيميائي نيك ساند، والذي سعى لجلب عقار الـ«إل إس دي» للعالم، بحسب جريدة النيويورك تايمز، عاريًا على هيئة نبات اللوتس، أمامه النار تطقطق في الخشب. مستسلمًا للتجربة، يغسله شعور بالسلام والفرح، يشعر نفسه وكأنه ينتقل إلى مناطق بعيدة من الكون.
يقول ساند عن التجربة: «كنت سابحًا في فضاء أسود هائل»، ويضيف في فيلم وثائقي عُرض عام 2015 بعنوان «صناع الشمس المشرقة»: «قلت ماذا أفعل هنا؟ فجأة جاءني صوت عبر جسدي قائلًا: عملك على هذا الكوكب أن تصنع هذا العقار وتحوّل العالم».
تعلق الـ«نيويورك تايمز» أن ساند تلقى التعليمات مثل النبي موسى على الجبل، وتضيف أنه تدرب في مختبر أوسلي ستانلي، ولُقّب في أمريكا بـ«رئيس وزراء الأسيد»، وباتت منتجاته الأكثر شهرة، وعرفت باسم «برتقالة الشمس المشرقة»، وكان لها أثر بارز في أواخر الستينيات، حيث موسيقى الروك وتجمعات الهيبيين.
ربما لا ندهش أن ساند، الذي قضى جزءًا كبيرًا من حياته هاربًا من الملاحقات القضائية في أمريكا، كانت له هوية أخرى؛ انتمى ساند لحركة السانياسيين، حيث تتلمذ على يد المعلم الصوفي الهندي أوشو، وارتدى الزيّ البرتقالي، لون الحركة السانياسية التابعة لأوشو، مع قلادة من الخرز الخشبي، واختارت له تلك الطائفة اسم «برافاسي» بدلًا من نيك ساند.
انضم نيك ساند/ برافاسي إلى أوشو في عام 1981، وانتقل الجميع إلى ولاية أوريجون الهندية مع معلمهم، ولحقهم برافاسي وعائلته، وعملوا في مزرعة لعدة سنوات.
عاد برافاسي إلى كندا، وصنع الأسيد، وضبطته الشرطة في عام 1998 بكمية كبيرة من الأسيد تكفي سكان كندا مرتين، بحسب وصف النيويورك تايمز. ثم أُعيد إلى كاليفورنيا للخدمة في السجن لثلاث سنوات، ولم تقتصر نشاطاته في السجن على تكوين مجموعات اليوجا والتأمل وحسب، ولكنه تمكن من جلب الـ«إل إس دي» إلى الزنزانة عن طريق زوجته، ثم أُطلق سراحه في عام 2005 لينتقل إلى الإكوادور.
في وثائقي «صناع الشمس المشرقة» الذي عُرض عام 2015، يقول ساند/ برافاسي إنه لم يندم على ما فعله: «إذا كان بإمكاننا تغيير الجميع في العالم، حينها ربما يكون لدينا عالم جديد من الحب والسلام».
«سمادهي» زائف ومختصر
يقارن أوشو، المعلم الهندي، بين تجربة تعاطي عقار الـ«إس إس دي»، وبين حالة السمادهي، وهي تجربة إشراقية في التصوف الهندي.
في عام 1970، وفي شقته في مومباي، وصف أوشو لزائر أمريكي عقار الـ«إل إس دي»، قائلًا عنه إنه يشبه نوعًا من «السمادهي المختصر والزائف». وأضاف إن المخدرات تسمح للّاوعي بإسقاط التجارب السابقة التي يريد إسقاطها، ولكن التأمل طريق أطول وأصعب من العقاقير للوصول إلى السمادهي، أو الحالة الصوفية.
وتأتي المكافأة الكبرى في شكل أصيل وخبرة دائمة (أو «مقام» بلغة الصوفيين)، بدلًا من من «الدماغ العالية»، فيما تمكننا تسميته بـ«تجربة المتجاوز» أو «عبادة الباري» أو بـ«السُكْر الذي يدوم لساعات»، ثم تعقبه توبة، أي صحو إلى الحالة العادية.
يعقب كاتب المقال في «أوشو نيوز» بأنه يتوجب عليه الانحناء وشكر كل «تريبات» الأسيد؛ لقد فتحَت أمامه أبواب الإدراك، وإن كان بطريقة كيميائية: «بالنسبة لي، وأظن أنه بالنسبة للكثيرين، قد ثبت أنها نقطة انطلاق إلى التأمل والتصوف الروحاني».
ويقول موضحًا «أحوال» و«مقامات» الأسيد: «حقيقية كانت أم متخيلة، فتجربتي الأولى مع الأسيد رائعة، إنها مؤقتة [مثلها مثل «أحوال» الصوفيين]، تقذفك بعيدًا عن المواقف التي كنت تعرفها من قبل. لقد استفدت منها في تعليمي ومهنتي كصحفي [على غرار «مقامات» الصوفيين]».
ويضيف كاتب المقال: «لم أكن أريد للتريباية أن تنتهي، ولكن بالطبع لا خيار لديّ. كان هذا جزءًا من الاتفاق».
بعد أيام طويلة عاد الإدراك الذاتي، ولكن الرحلة تطلبَت منه ترك الأسيد والذهاب إلى الشرق، حيث التصوف والتأمل والبوذية، وما وجده عند أوشو كان تجربة تشبه الحالة المزاجية العالية التي تمنحها المخدرات. يقول عن نفسه: «تنتابني أحيانًا رؤى مماثلة لتلك التي جاءت لبرافاسي، من تحول العالم عبر التأمل بدلًا من المخدرات، وتحويله إلى مكان أكثر محبة وسلامًا».
للوصول إلى «أحوال» و«مقامات» الصوفيين، استخدم أوشو المخدرات، مفضلًا نوعًا يُسمى في الهند بـ«سوما»، مكونًا من النيتروجين والأكسجين. يقول: «استخدمت الكيمياء. أردت أن أرى إذا كان ممكنًا أن أرى المرتفعات التي رآها بوذا ويسوع ولاوتزو.. وأعتقد أن هذا ما حدث».
ولكن أوشو عاد في نهاية حياته وقال: «فهمي الخاص هو أن الـ’إل إس دي’ يعطي لمحة عن السمادهي، ثم يجب أن تُمحى كل هذه الآثار السيئة لما بعد التعاطي، لأنه مادة كيميائية، وتحت سيطرتنا. الآثار السيئة هي المشكلة، لذا يجب أن تُمحى ويجب أن يصنع ‘إل إس دي’ آخر».
ماذا إذا اختفت «الأنا»؟
ربط الصوفيون بين الجسد الترابي الفاني وبين الأنا والذكريات والطموح والرغبة في السلطة وامتلاكها والضعف أمام شهوات الدنيا وملذاتها.
ربطوا بين فقدان الأنا (يقول متصوف: «لا أنا إلا أنا»)، والتوحد مع الطبيعة (يقول البسطامي: «سبحاني ما أعظم شأني») والذوبان في «المتعالي» (يقول البسطامي: «لا إله إلا الله، لا أنت إلا أنت، لا أنا إلا أنا»)، وبين أن يتحقق المرء في كينونة خيّرة خالقة أكبر منه (يقول البسطامي: «لا إله إلا أنا فاعبدوني»، ويقول الباري في حديث قدسي: «يا عبدي أطعني أجعلك ربانيًا تقول للشيء كن فيكون»).
وفي تجربة قد تكون مشابهة لتجربة انسحاق الأنا هذه، اختبر علماء نفس مادة السيلوسيبين الكامنة في عقار الأسيد على 15 شخصًا، ووضعوا عقولهم تحت جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، ووجدوا أن المادة تُحدث انخفاضًا في النشاط المألوف لدوائر في الدماغ تحافظ على الشعور بالذات، فخمنوا أن تلك المناطق، النشطة في الأحوال العادية، هي المسؤولة عن تجارب الماضي التي تشكل الأنا والشخصية.
تتغير الشبكات العصبية تحت تأثير السيلوسيبين، وتخلق نظامًا وروابط جديدة خاصة بها، تجعل الأفراد يفقدون الشعور بالأنا، وأكثر تواصلًا مع البيئة المحيطة؛ يرون الأصوات ويسمعون الألوان، فيما يعطي شرعية للسؤال الجوهري للمقال: هل تشبه تريبات الأسيد تلك الفيوضات الربانية العلوية لدى الصوفيين؟
ما يراه الصوفيون في حضراتهم الروحانية وهلوسات الرحلات السعيدة للإل إس دي
الجزء الثالث والأخير
مدى مصر
يسرد نيك ساند/ برافاسي، جالب عقار الـ«إل إس دي» للعالم، تجربته مع الـ«دي إم تي» بينما منديل قماشي مفروش أمامه؛ القماش له بعدان، يتحرك فتصبح له ثلاثة أبعاد، وبشكل مستقل يتحرك في العمق وعلى السطح، للأعلى وللأسفل.
هذه التجربة اختبرتها أنا، في طقس التأمل المعروف بـ«الكاراكاتا»، ولكن بعد مرور ما يقارب الستة أشهر من الممارسة المنضبطة شبه اليومية، حيث تنقسم شعلة الشمعة إلى اثنتين، وتتحرك في العمق والسطح، للأعلى والأسفل، ثم تنكشف أمامك هوة عميقة.
هل يمكننا، بترباية أسيد و«دي إم تي»، فهم تجربة التصوف؟ ما الذي يعنيه «التوهم» الذي تحدث عنه المحاسبي؛ أن نشعر بدين الحب مع كل شيء ولكل شيء؟ أن نرى أشخاصًا لا وجود حقيقي لهم كما يرى الأولياءُ الأنبياءَ الذين يملونهم نفحاتهم، ويؤثر فينا ذلك؟
يجيب برافاسي، أو نيك ساند، بأنه لا يعتقد بوجود قواعد عامة لمقاربة رحلة الـ«دي إم تي»، على غرار النظام الغذائي مثلًا؛ فلا استعدادات، ولا وضع خاص للجلوس، ولا ضرورة للانتباه، ولا غير ذلك، ولكن «دي إم تي» هي تجربة الـ«ما وراء»؛ ما وراء الفكر والحواس والأدوات البيولوجية، تمهيدًا للتعامل مع العالم الداخلي.
عندما ترحل عبر عوالمك الداخلية، تنفصل عن قواعد الفكر وقيم العالم المادي، ويتسبب استخدام تلك الأشياء، كمعايير للحكم على التجربة، في الارتباك. يؤكد برافاسي أن «أدوات الفكر تحليلية وتقسيمية للغاية. عمليات التعبير والتواصل والتحليل والفكر هي كلها أدوات للجاهل». والجهل الذي يقصده برافاسي هنا ينتمي للعالم المادي وليس للمملكة الروحية.
ملامح التجربة: بلا فكر ولا حواس
بحسب رؤية برافاسي، فإن تجربة «دي إم تي» تعني الوحدة والشفاء من الانقسام والنزاع وكل تلك الحالات المرضية التي تأتي بها عملية التقسيم.
تقع هذه التجربة في الترتيب الأعلى من الواقع، تتجاوز الفكر، ولكنها تنسج صورًا محملة بالرسائل بحسب الحالة الذهنية أو المدخلات البيئية، وتكمن الخدعة في النظر لنمط النسيج وعدم الوقوف أمام الخيوط والألوان.
لذا ينتقد برافاسي أي تفسير للترباية من وجهة نظر «عقلية وغير صوفية»، آملًا في توسيع مفهومنا عن الـ«دي إم تي»، واستخدامها في الرحلة إلى ما وراء المشهد الطبيعي الذي نراه ملائمًا.
يضيف برافاسي أن أصعب ما في فهم تجربة «دي إم تي»، هو أن الوعي العالمي يتغير ويتوسع بسرعة كبيرة، وما يرعب أي شخص هو اضطرارنا لتوديع سلطة الفكر والحواس، وهما «عكازا العالم المادي»، ولكنهما يشلّان قدرتنا على الحركة في الما وراء الواسع، إنهما مشتتات للانتباه. هذه الأدوات ينبغي عليها السقوط عندما تدخل محيط اللا وعي، وإلا ستجرك للأرض عندما تحتاج للطفو.
ولكن ماذا عن الأشخاص الذين نراهم أثناء الترباية؟ التقيت أنا، كاتب هذا المقال، بـ«هندي أحمر» خارج من كهفه بملامح صارمة، ولم يتحدث إليّ. تبادلنا النظر حتى فقدت وعيي، ورأيتني شجرًا وكواكب ونجوم. غيرتني هذه «الهلوسة». جعلتني أكثر شعورًا بوحدة الكون.
يشدد برافاسي على أن التساؤل المهم هو حول كيفية حدوث هذه الخيالات أثناء الترباية، وليس مدى «واقعية» ما نراه فيها، ويتساءل: «أليس من المنطقي أن نفحص أولًا التصميم البيئي في المكان الذي حدث فيه ذلك، بدلًا من النظر إلى أصول غريبة لما نراه؟»
تفسيرًا لهذا، فوقت مشاهدتي لـ«الهندي الأحمر»، كنتُ أسمع مغنيًا يعود بأصوله إلى السكان الأصليين لأمريكا، ويغني كلمات تحرّض على الحياة.
أحوال الترباية ومقاماتها
يضرب برافاسي مثلًا برحلة روحية عبر الـ«دي إم تي»:
«وجدت نفسي أجلس على سجاد فارسي، أستمع إلى تسجيل شاران راني يلعب أغنية ‘الحب راجا’ الهندية على آلة السارود، ومعي شخصان مترِبّان. هناك شموع وبخور. أُعدت الغرفة لكي تكون معبدًا للرحلات الروحية عبر الـ’دي إم تي’، وعندما وصلت إلى فضاء رحلتي الداخلية، امتلأت بمشاعر غامرة من الحب والحنان.
نظرت إلى أسفل، فوجئت برؤية جسدي يرتدي سروالًا نسائيًا شفافًا، ولا قميصَ علي، وجسمي أنثوي نحاسي اللون، وكذلك صدري وكل شيء. كان لديّ العديد من الأساور على ذراعي، وأجراس على ساقي. نظرت حولي ووجدتني أرقص مع أغنية راجا المغرية لاثنين يلعبون بالسارود والطبلة. وعندما عدت لوعيي لم آسف على شئ سوى أني شهدت جمالًا أشد روعة مما كنت أتخيل.»
يحكي برافاسي أنه عاش لثماني سنوات مع أوشو بعد مغادرة المكسيك، ويضيف: «ما يحدث في العقل لا يزال يحيطه غموض كبير بالنسبة لأي شخص. العقل عضو مذهل. والجوهري في كل عقاقير الهلوسة أنها تضعنا على المسار الروحي لإيجاد صِلاتنا واتصالاتنا الفردية مع الله. قادتني مخدرات الهلوسة لمقابلة راجنيش [أوشو] وجون برني وسان فرانسيسكو.»
الترباية غير موضوعية
ينتقد برافاسي فكرة «التحلي بالموضوعية» لدى معالجة موضوع «روحانية عقاقير الهلوسة»، فبالنسبة له، تتبنى الطريقة الموضوعية في وصف الواقع أفكارًا عقائدية جامدة، صالحة للعقل لدى تعامله مع الواقع. تفيدنا الحجج الفكرية في عالم الحياة العملية للتواصل والبقاء الاجتماعي، أما الرحلة الباطنية للأشخاص، فلا علاقة لها بالواقعية ولا الموضوعية.
يقول برافاسي إن أحد أهم وصيتين في المؤسسة الدينية التي أنشأها مع آخرين في ستينيات القرن الماضي، والمسماة «رابطة الكشف الروحي»، كانت أنك «لن تغير وعي شخص آخر بدون رضاه»، بمعنى أن إعطاءك لشخص ما جرعة دون إخباره بالبعد الروحي لها هو خطيئة.
«دعونا ننظر إلى تغيير وعي شخص ما بإذنه ومعرفته، عندما يدخل شخص إلى حقل الوعي لاكتشاف الله والوحدة والصحة والإلهام والجمال والحب، أو للعثور عليهم، عندما يلتزم الشخص بالتأمل أو بعمل ما، أو يتعاطى مخدر الهلوسة بطريقة واعية أو هادفة، يكون هذا وعد المرء لنفسه. هذه تجربة شخصية للغاية، وتحدث بين قلب أو عقل الشخص وبين ربه، ولا شخص آخر.»
ولكن هل يستطيع المرء الوصول وحده، أم يحتاج إلى معلم؟
يقول برافاسي:
«ربما تسأل شخصًا ما المساعدة، شخصًا يعرف عن هذه الرحلة أكثر منك. هذا الشخص قام بالرحلة من قبل، يعرف كيف يبحر في طريقه بلا خوف وعثرة. هذا الشخص لا يعرف مَسَارك.»
ولكن برافاسي يستدرك قائلًا إن حضور الحب والسكينة، عندما يمر عبر مناطق مجهولة داخلك، يكون مفيدًا لك، وإذا أردت فهي رحلتك أنت وفكرتك وحريتك، وعليك التحلى بالمسؤولية عنها. هذه ليست حالة اجتماعية، حتى لو كنت في حالة من العناق الحميمي، تظل هي رحلتك الداخلية مع الحب، وما الآخر هو سوى مرآة أو صديق أو رفيق أو مساعد.
الترباية ضد الرسوم وأهل الظاهر
ينتقد برافاسي بشدة التجارب المعملية لعقاقير الهلوسة المستمدة من الفطر، على غرار الـ«دي إم تي» والـ«إل إس دي»، فهو يرى أنه عندما يجهّز أحدهم «أجندة وبرنامجًا له فكرة مسبقة، فهو يفرض نوعًا من الرحلة العقلانية في تجربة الهلوسة، حيث البيئة التي جرت تهيئتها في النهاية يجب أن تتفق مع اللوائح والقواعد النفسية والطبية وحتى الحكومية. وحتى لو أدار شخص برنامجًا يريد عبره توضيح كيف أن استخدام هذه المواد مساعد ومفيد، فالحقيقة أن البرنامج، مهما كان، يتحكم بطريقة يتداخل فيها مع طبيعة التجربة، وبعض هذه البرامج في البيئة العيادية قد تنتج نتائج هامة، ولكنها في النهاية لن تلمس إلا جزءًا ضئيلًا من الحقيقة، ممّا هو ممكن، حيث الجزئي لا يخضع للكلي.»
ويوضح أكثر: «ميدان البحث الروحي العميق والكلي لا يكشف لك نفسه من الوهلة الأولى. السلطة لا تعطي أوامر للرب. السلطة بناء نفعي مؤقت محدود ومنظم، عندما تستخدمها تنتهي منها.»
أما من الزاوية العلمية، فيشرح برافاسي أن هناك مفهومًا فيزيائيًا غالبًا ما يحال إلى مبدأ «انعدام اليقين»، ويعني أن فعل الملاحظة نفسه يغير من طبيعة الشيء المُلاحَظ، كما في دراسة الجزيئات فائقة الصغر، وفي حياتنا الاجتماعية يحدث هذا طوال الوقت.
لذا، يختلف تأثير الـ«دي إم تي» باختلاف الشخص «الملاحِظ»؛ حسب ما إذا كنت مع صديقتك تقضيان عطلة نهاية الأسبوع، أو في ملهى ليلي، أو في مكان طبيعي، أو في معبد، أو، وكما ينتقد برافاسي كثيرًا، «في معمل لاختبار تأثيرات تلك العقاقير»، حيث تظهر بعض النتائج السلبية.
ويظل أكثر الأهداف شيوعًا من وراء استخدام تلك العقاقير هو السعي للحصول على الحب والجمال والبهجة والنشوة والوحدة والتكامل، أي البحث عن كمالنا الداخلي الجوهري. إذا استُخدمت هذه المواد بتلك الطريقة، فهي تستخدم لأفضل شيء فيها، ويجب ألا ننسى أن تلك المواد بريئة مهما كان حجم انتشار التشوهات، فنحن من نتفاعل معها ونعزو إليها تلك الصفات.
«التوهم» في الترباية
ويتبنى برافاسي مقاربة مختلفة للكائنات الروحانية التي نراها أثناء الترباية، فيما يمكننا تبنيه لتفسير رؤى الصوفيين، في أحوالهم ومقاماتهم، للموتى والأنبياء.
يقول برافاسي: «دعونا نقارب الموضوع من جانب مهمل. ما الذي يحدث عندما نتعاطى الـ’دي إم تي’ ونصل لحد رؤية الكائنات الخرافية؟ ربما نصل إلى روح الحياة العظيمة المطلقة، ونحن نتفهم هذه التماثلات الرمزية والمتحركة. ربما، وبطريقة حدسية، نفهم شفرة الحياة الكونية، جزيء الحمض النووي، وهناك التريليونات منها في أنحاء الجسم. ربما تكون تلك الكائنات الخرافية هي مجموعات فرعية صغيرة من المعلومات التي نصل إليها، وتبيّن كيف تمكن إعادة توحيد أجزاء من برنامجنا؛ إنها قادمة من مكان ما، فلماذا لا ننظر للأقرب بدلًا من الأبعد؟ يبدو أن بحث الإنسان عن المعرفة بدأ من النجوم مع اليونانيين، وببطء أخذ يعمل بطريقة أقرب وأكثر داخلية، حتى نظرنا أخيرًا إلى الهندسة الوراثية التي تعتبر أساس الحياة. يبدو أن جزيء الحمض النووي، هو أصل روحانيتنا.»
…….
يعتمد هذا الجزء من المقال على مقال «الحركة في العالم المقدس للدي إم تي» والمنشور في موقع «سايكدليك فرونتير»، وكتبه نيك ساند/ برافاسي
رحلتي الروحانية الأولى مع عقار الهلوسة إل إس دي... أنا مستعد للتلاشي
الجزء الأول
رصيف22
الحياة جحيم، في بداية الثلاثينات من عمري ما من إنجاز حققته، ولا روح لدي تستمتع بتفاصيل الحياة، كابوس متكرر، شرطة ومواطنون يطاردوني بسواطير وأنا ألهث، أخاف جداً من النوم، أعرف أن الكابوس سيأتي حتماً، كشيطان يبتسم لي طيلة يومي حتى أنام ليعربد في روحي، وآلام هائلة في القاولون لا تهدأ حتى تعود، ورئيسة قسمي في الصحيفة التي أعمل بها تضايقت كثيراً من إجازاتي المتعددة، غير مقتنعة بأني أعاني من القاولون بتلك الطريقة المفرطة، جهزت جواز سفري، لا حل سوى الهرب إلى أين؟! كراهية للطعام والشراب، وكسل كبير لمجرد الخروج من المنزل، وحضور حفلة عيد ميلاد لصديق بمثابة كابوس، لا شك أني أمر بحالة اكتئاب شديدة. التفكير الاكتئابي يخلق ترابطاً معيناً في دوائر الدماغ، خاصة المنطقة التي تحافظ على الشعور بالذات، كما أن الإحساس بالحسرة والنقد الذاتي يخلقان تكراراً للعلاقات بين الأعصاب في المخ، هكذا يرى ديفيد نوت عالم أعصام من كلية إمبريلا كوليدج إن. ويقول الحكيم الهندي أوشو ومعظم أساتذة التأمل أن الأنا هي المسؤولة عن الاكتئاب، الهوية والطموح والملكية هي السبب في اكتئاب الناس، علي أن أنسى نفسي الملعونة تلك وأعيش لحظتي أو "هنا والآن" كما يقولون، ولكن كيف؟ وأنا أسير لعلاقات بين أعصاب المخ، كيف أتخلص ممن يتحكمون في شعوري ودوافعي؟ "تعال حالاً عندي لك مفاجأة"، لا أدري متى جاءت لي هذه المكالمة، أنهيت شيفتي المسائي في الموقع الإخباري الذي أعمل به، وذهبت إلى صديقي في أحد الأحياء المجاورة لأهرامات الجيزة، وأعطاني قطعة وريقة صغيرة تكاد تُرى بالعين المجردة، وأوصاني بأن أمتصها حتى تذوب. عرفت أنه الأسيد، قرأت عنه كثيراً، وبحثت عنه لسنوات حتى يئست، وضعته في فمي.
التحول
لم تسر الأمور كما خُطط لها، رفض أحد الأصدقاء أن يصطحبنا إلى الأهرامات لكثرة كمائن الشرطة، ركبنا سيارة أنا وثلاثة من الأصدقاء، عائدين من نزلة السمان إلى شقة صديق في وسط العاصمة، سار السائق بسرعة مجنونة، مررنا على عدة كمائن، لاحظت دورية شرطة السرعة العالية التي نسير بها، استوقفتنا، وفتشنا أحد الأمناء "تفتيش سلاح"، وهو يبتسم ويغمز ويلمز، لكنه كان شعوراً جديداً حيال الشرطة لم أختبره من قبل، أنا الذي كنت أراهم يلاحقونني في كوابيسي وأنا أتصبب عرقاً من الرعب، لست خائفاً الآن من الشرطة. بدأت أشعر أني أتذوق الحرية، الحرية من القلق والخوف، واستسلمت ليد الشرطي تعبث في جيوبي، وأنا رافع رأسي مبتسماً، والضابط يضحك، والجميع يضحك. بثت قناة "ناشيونال جيوغرافيك" فيلماً تسجيلياً ذكرت فيه أن العقار جُرب على جنود أمريكيين في فيتنام رفضوا طاعة الأوامر، وساهم في تظاهرات أمريكا ضد الحرب هناك، ولكنها من ناحية أخرى دفعت بعض "المواطنين الصالحين" لممارسة أعمال إجرامية، وهذا سبب كاف لأن تحظره أمريكا وبعدها دول العالم بعد أن كان العقار شرعياً: إنه يفقد الحكومة السيطرة على الناس. جلست أنا وصديقي وشريكته بقية الليل حتى الصباح، يسألني صديقي وهو مجرب للعقار: هل تشعر برغبة في القتل أو الانتحار؟ اندهشت من السؤال، أجبت لا بالطبع، لماذا؟ لم أجد إجابة ولكن وجدتني أقول: إن البشر ليس مفترضاً أن يقتلوا. في الحقيقة كنت مذعوراً من براءتي، إني أعيش "هنا والآن" ونسيت الـ"أنا" كما يقول الصوفية دائماً في إشارة إلى التحرر من الذكريات والبرمجة العقلية المسبقة، كنت أعيش كطفل يتنفس للمرة الأولى، ويرى ويفرح بكل شيء، كان لهذه التجربة جانب مظلم لم يتحدث عنه الصوفيون، يمكن وأنت بلا برمجة وبلا ذاكرة وتحيا لحظتك أن تفعل أي شيء، تقبل امرأة لا تعرفها، أو تقتل طفلاً، وقبل أن يندهش الجميع لما فعلت ستندهش أنت أيضا. Manel-Torralba_Flickr مع تجربة البراءة تلك، أنت مفتوح على احتمالات لا تتوقعها، وهو شعور خطر وحيوي في آن واحد.
السابعة صباحاً
نزلت السابعة صباحاً من مصعد العمارة، وبداخلي طاقة فرح وحب عجيبين، لأول مرة أشعر بهذا الانسجام والإشباع في حياتي، وخرجت إلى الشارع، دُهشت وصُعقت، دُهشت من الألوان الزاهية بطريقة غير عادية، وصُعقت إذ رأيت رجالاً ونساءً مسنين يذهبون إلى عملهم، شعرت بنفور وكراهية كبيرين حيال البشر، يمشون بطريقة آلية تشبه كثيراً أداء شارلي شابلن "قال صديقي إنهم يسمون الأسيد في أوروبا شارلي". وأذكر أني كنت أستطيع أن أُعرّف كل شخص من أدائه الحركي، وفزعت، كثير من الأداءات كانت أداء مخبرين وضباط شرطة، هل أنا أهلوس؟ هل أصبت بالفصام وأشعر أني مراقب؟ أم أن لدي الآن بصيرة غير عادية؟ لا أعلم ما أنا واثق فيه هو أنه على قدر كراهيتي للبشر على قدر محبتي للشجر والطيور، كأن البشر فئران لديك رغبة قوية في دهسهم، وشعرت بالخزي أني أنتمي لهذه الفصيلة، ولازم هذا الشعور بالاشمئزاز من البشر والتواصل مع الطبيعة إحساس عال بعدم جدية الحياة، إننا نمرح نمثل نلعب، وجودنا على الأرض مجرد مزحة مبهجة، فكرت بشكل مسلٍ أن أطرح نفسي أرضاً تحت أي سيارة على سبيل المرح، وتمنيت أن يكون لدي رشاش آلي لأقتل هذه الكائنات البغيضة التي تشعرني بالاشمئزاز.
1943
جرب الكيميائي ألبرت هوفمان في مختبر ساندوز في بازل بسويسرا 1943 مواد كيميائية، كان يحاول تطوير عقاقير تقيد أوعية دموية، وبالصدفة تناول مادة ثنائي إيثيلاميد التي ستعرف لاحقاً بالأسيد، وصدمته إلى الدرجة التي ألف عنها كتاباً "إل إس دي مشكلتي الطفولية"، هذه هي حكاية اللحظة الأولى في اكتشاف العقار.
حدث هوفمان عن أن الأشكال والأحجام في المختبر تعرضت لتغيرات بصرية، الضوء رآه حاداً، وكرجل علم وصف ما يقول عنه متعاطو العقار "الترباية" قائلاً : "أغلقت الستائر، وسقطت في حالة غريبة من السكر، تتصف بالمبالغة في الخيال". عندما أغلق عينيه رأى صوراً غير عادية بألوان حادة، تصعد نحوه، وبعد ساعتين انخفضت الحالة، واستطاع أن يأكل العشاء بشهية. المرة الثانية قرر أن يتناول العقار في حضور زملائه، ليستطيع أن يفرق بين الواقع والهلوسة، رأى وجوه أصدقائه مثل أقنعة ملونة غريبة. يكتب هوفمان عن هذه الحالة: لقد فقدت سيطرتي على الزمن، وأصبحت عشوائياً أكثر فأكثر، وتغلبت على خوفي من أني ذاهب إلى الجنون، الجزء الأسوأ من الأمر هو وعيي بعجزي عن إيقافه، شعرت أني خارج جسدي، اعتقدت أني مت، أنايا معلقة في مكان ما في الفضاء، ورأيت جسدي ممدداً على الأريكة، لاحظت بوضوح أنايا البديلة تتحرك في الأرجاء وتئن. أحس هوفمان أنه يمكن أن يكون للعقار قيمة علاجية هائلة، وفي مختبره تأكد أن العقار غير سام للفئران والبشر والجرذان، وبدأ يستخدمه بطريقة علمية وطبية.
أن ترى الموسيقى
أما أنا فكانت مرتي الثانية أجمل وأقوى من الأولى، لم أتمالك نفسي عندما رأيته، ما هذا الشيء الذي بلا رائحة ولا طعم يجعل للحياة رائحة وطعماً، تذكرت أغنية بوب ديلان عن الأسيد "أنا مستعد للتلاشي"، تناولته سريعاً، كنت أستمع/أستمتع لأغنيات رود ريجيز "رجل السكر"، و "أتساءل"، هالني أن الموسيقى تتفاعل بشكل ساحر مع روحي، وكأنها خلقت لمتعاطي الأسيد، تخيلت أن ريجيز امرأة وليس رجلاً، حالته كانت أنثوية. شعرت أن الله خلق العالم ومعه الأسيد، ورود ريجيز، وألهمه غناء هذه الأغنية، فقط من أجلي أنا، أدخن السيجارة وأحتسي البيرة وأشعر أن الموسيقى تحررني، للمرة الأولى أستمتع دون الشعور بالخوف والذنب، دون الإحساس بتوتر أو تفكير في غد محبط، أو ماضٍ معقد، وصديقي يترجم لي "إنت الإجابة لما تظهر تختفي كل الأسئلة"، "أنا تعبان من اللي باشوفه، جايب لي معاك إيه، كوكايين وماريجوانا، أنا مشتاق للعب، رجع الألوان لأحلامي" وتخيلت أن الأغنية مدتها ساعة أو نصف ساعة، فوجئت بعد ذلك أنها لم تتجاوز الخمس دقائق، وأن المغني رجل. لأول مرة أجرب معنى أن ترى الموسيقى، أن ترسم الموسيقى وجوهاً وأمواجاً بألوان القوس قزح، أن يتوحد إيقاع الموسيقى مع نبضات قلبك ومع حركة الأشياء أمام عينيك.
نتائج بُنيت على دراسات سابقة اعتبرت أن آثار الهلوسة لمواد مثل المشروم السحري، فالعائلة التي ينتمي إليها الأسيد، تحتوي على مركب نشط في المخ يدعى بيسلوسيبين. اظهر المسح أن الذين يتعاطون العقار يعالجون العالم البصري بطرق مختلفة مقارنة بالذين لم يتعاطوه، المناطق في الدماغ التي لا تتبادل المعلومات في الحالة المعتادة هي التي تتناقش الآن بعضها مع بعض، وتخلق نمطاً من النشاط غير مرئي في أدمغة الناس. وبحسب دراسات سابقة فإن الأسيد يشجع الأعصاب في العقل على نشر روابط وعلاقات في مناطق غير متصلة ببعضها، ويغير لبضع ساعات النظام الكامل للمخ. النشاط العقلي في العادة عبارة عن ممرات معلوماتية محددة تدعى الشبكات العصبية، ولكن تلك المحقونة بالبيسلوسيبين تتمرد على هذا الإطار، وتثور على تلك الممرات، ويقول علماء أعصاب إن المخ لا يصبح نظاماً عشوائياً بعد حقنه ولكن لديه سمات تنظيمية مختلفة قليلاً عن الحالة المعتادة، وهذه الروابط الجديدة مسؤولة عن حالات الهلوسة فيرون الأصوات، ويسمعون الألوان. يقول لي صديقي "معظم الفرق الموسيقية في الغرب كانت تتعاطى الأسيد في الستينات، كان عبد الحليم يغني "بالأحضان يا بلدنا يا حلوة" وهم يستمعون لهذه الموسيقى بتلك الطريقة التي نسمعها" ضحكت كما لم أضحك من قبل.
التحرر
شعرت باسترخاء غير عادي، وحركة فائقة للدم في جسدي، وميل لذيذ للإغماء، أحسست بالكمال، لا أحتاج إلى امرأة أو خمر أو حشيش أو للسفر، إني رائع هنا والآن، مستمتع بوجودي، قلت لصديقي لأتأكد من أنه يحس شعوري "إيه ده؟" رد وقال "واو!"، كيف في بضع دقائق تتحول من شخص إلى آخر؟ إنه تغير في الإدراك وليس في المزاج، شيء ما جديد على خلايا جسدي وعقلي أشعر به ألمسه أتذوقه وأشمه. قام ديفيد نوت وزملاؤه بإعطاء مادة بيسلوسيبين"الكامنة في عقار الأسيد" إلى 15 شخصاً، ووضعوهم تحت جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، وتحت تأثير البيسلوسيبين لاحظوا انخفاض النشاط المعتاد في مختلف دوائر الدماغ، بما فيها منطقة يعتقد أنها تحافظ على الشعور بالذات، يعلق نوت: "نعتقد أن هذا التقليص لتلك الدائرة يسمح للناس بالفرار من ربطهم بالسلاسل إلى عملية التفكير هذه" في إشارة إلى أن الناس تفكر رغما عنها في مشاكلها وذكرياتها الشخصية، ولا تستطيع التحرر منها. ويحاكي البسيلوسيبين السيروتونين، مادة كيميائية في الدماغ، تستهدفها العديد من الأدوية المضادة للاكتئاب، والآثار المهدئة بيلولوجيا من البسيلوسيبين قد تستمر لأسابيع أو أشهر فقط، ولكنها تعلم الناس طريقة جديدة للتفكير. تساءلت في نفسي: هل يمكن أن أحيا هكذا إلى الأبد؟ لا أفعل أي شيء فقط مستمتع بوجودي…
الحالة الروحانية لعقار إل إس دي، ما بعد الرحلة الأولى
الجزء الثاني
رصيف22
تجارب حياتية تغير فينا، ممارسة الجنس، الأبوة والأمومة، دخول العناية المركزة، ولكن هل يمكن لتجربة عقار الأسيد أن تغير في شخصيتنا؟ ينفي العالم النفسي ماثيو جونسون حدوث ذلك في أي تجربة معملية لعقاقير المشروم، وقال في دراسة نُشرت 2011 "إنه أمر دراماتيكي للغاية". ولكن في بحث جديد تحدث عن تجارب الناس مع العقار، يستشهد بآليكس ليو 29 عاماً، منتج فيديو في سان فرانسيسكو، كان في المرحلة الثانوية عندما اكتشف ميوله المثلية، وأراد أن ينتحر، ولكن بعد أن أخذ العقار بين الغابات تغيّر بشكل كامل. يقول إنه ركز على ذكرياته ومشاكله الشخصية كيف أنه مثلي وحياته معاناة متواصلة، ولكن عندما تناول الأسيد كان في الطبيعة، بين الشجر الذي عاش لآلاف السنين، تذكر بشكل واضح أنه مجرد حفنة من الغبار بين تلك الضخامة، وفي تدفق الطبيعة، و"هذا ما جعلني أتكيف مع طبيعتي المثلية". يقول الطبيب إن هذه التجربة لا تطرد الإحباط والحزن ولكن ساعدته على تقبل مشاعره.
خسارة الأنا
يعلق جون بيلبتريو بأن رؤية المخاوف الشخصية تنحسر في مواجهة واقع أكبر هي سمة أساسية لتجارب الهلوسة، أحياناً يُطلق عليها خسارة الأنا، هذه الأشياء التي تعتقد أنها تُعرفك "أنا 38 عاماً، أمريكي، عالم"، لا ! أنت أبعد من ذلك بكثير. via GIPHY يوضح جون بيليبتريو، كاتب التقرير في مجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية، أن عقار إل إس دي يعمل فقط لساعات ولكن آثاره على الجسد، يمكن أن تستمر مدى الحياة، وتظل هذه المنطقة مجهولة لحد كبير. بعد الاستمتاع/الاستماع إلى رود ريجيز، رأيتني في مكان صحراوي، يشع بلون برتقالي حاد ومبهج "الهيبيون يسمون العقار البرتقال المشع" وصديقي يجلس على التل، وكهف صغير يخرج منه رجل بملامح قاسية، يرتدي زي الهنود الحمر، عضلاته مفتولة، نظر إلي بصلابة، وتبدلت حالة الاستمتاع إلى خوف مرضي، شعرت بأن هويتي مهددة، شيء في كينونتي سيتغير كلياً ولا أعرف إلى أين، تحاشيت النظر في عينيه، وندمت كثيراً لأني تناولت العقار، وعزمت على أشياء تبدو لي ساذجة الآن، محورها: يجب علي أن أختار اختيارات آمنة، وأعيش الحياة عيشاً رتيباً. في تلك اللحظة كانت جزيئات الأسيد تشن حرب عصابات على الحبيبات المستقبلة في خلاياي العصبية، تستميت تلك الخلايا في الحرب، وشعرت بها كدوار، وأحياناً يداخلني شعور أني سأموت، ولكن بحسب تجارب معملية في الحيوانات تستمر تلك الحرب لعشر أو عشرين دقيقة، وبعدها تعلن جزئيات الأسيد انتصارها. لدقائق على الأريكة الوثيرة أقاوم، كلما قاومت استسلمت، نظرت إلى عيني الهندي الأحمر، أشار بيديه إلى جهة اليسار، نظرت إلى اليسار وضعت، أين رحت؟ مبروك. خلاياك العصبية انهزمت، أنت الآن تحت حكم الأسيد، ولن تستعيد خلاياك أسلحتها قبل مرور 12 ساعة. وجدت نفسي شجرة في صحراء، شعرت بالماء الأخضر الذي يتدفق في أوراقي، كلما هبت النسمة أتمايل بانتشاء معها، منسجماً مع الحياة كأن كينونتي تحولت إلى إحساس منتشٍ بالشمس والنسمات، وجدتني في فضاء أسود وكواكب تتدحرج ببطء، إحساس بالسلام والصفاء والإشراق لا يعكره شيء، ثم نظرت إلى نفسي من أعلى السقف، ووجدت جسدي ممدداً على أريكة، لم أعرف نفسي، وقلت "من هذا الكائن البائس، أي حياة بائسة تعيشها هذه الكائنات؟"، وصدمت كثيراً عندما اكتشفت أن هذا الشخص هو أنا، استفقت من غيبوبتي اللذيذة، وكلي إحساس بالانتشاء والامتنان لوجودي، ثم استسلمت لغيبوبة أخرى. Shane-Gorski_Flickr هل كنت أهذي أم ما أراه هو رؤيا تتجلى للمتصوفة والفلاسفة؟ ما يراه جون بيليبتريو هو أن تجربة الهلوسة الذهانية تعود إلى آلاف السنين وليس إلى عام اختراع الأسيد 1938، "بعض ما في الأدب يصف الهجمات العفوية والمفاجئة وغير المتوقعة تماماً مثل الهجوم الذي غلب على القديس بولس في طريقه إلى دمشق. هناك تقاليد أخرى تحدثت عن الحالات التي يسببها الصيام عبر الحرمان الحسي الناجم عن اتباع التأمل، أو عبر الرقص المحموم، أو التنويم المغناطيسي. ليس الدين فقط من يتحدث عن تلك الحالات، فالعالمان باسكال ونيوتن اجتاحتهما غيبوبة صوفية ساهمت في التبصرات الإبداعية، وفهم ويليام جيمس حقاً الغموض الذي يمكن أن يحقق المعجزات بين العالم المتخيل وعالم الظواهر، ولكن العلماء النفسيين تجاهلوا هذه النتائج، ظهور الأسيد جعلهم يفكرون في نتائجه مرة أخرى"، بحسب المقال. يرى المقال أن جذور معضلة "هذا هذيان أم رؤيا " متعلقة بالواقع المدرك، المجانين قادرون على إنجاز أشياء مدهشة، الأسيد يمكن أن يخلق حالة مصطنعة من جنون المبدعين، حيث ينهار روتين الحياة التي تجعل الناس تعالج أمورها بطريقة عادية خاضعة لمتطلبات الحياة الخارجية، وضرب مثلاً حالة الفيلسوف الروسي ديستوفسكي الذي عانى من هذه الحالات، ويرى أن ما يصفه مشابه لحالة عقار "الإل إس دي". يقول ديستوفسكي: "للحظات قليلة أختبر هذه السعادة التي هي مستحيلة تحت الظروف العادية، ولا يملك الناس عنها أي فكرة، أشعر بانسجام كامل مع نفسي، ومع العالم، وهذا الشعور قوي، ويستمر لثوانٍ معدودة". وليس غريباً إذاً أن يرتبط اسم العقار بالهلوسة.
في الماتريكس عندما تم تطوير العقار للمرة الأولى سموه سيكوتوميمتيك "محاكاة للذهان" ولكن الاسم الغريب حمل حكماً سلبياً، وتوظيفاً مرضياً للعقار، الاسم الثاني هو عقار الهلوسة، ويراه جون بيليبتريو غير واقعي وغير حقيقي، وبطريقة علمية قال: إذا كان المرء يجب أن يحافظ على موقف مناسب موضوعي وعلمي، فعليه أن يعلق الحكم المتعلق بواقعية الواقع، فبطريقة أو بأخرى يمكن لهذه العقاقير أن تزيد من مستقبلات الحس لدينا، وتغير آلية عملها، وتجعلها تدرك بعداً آخر من الواقع. لكن الأمر أخذ لدي بعداً متطرفاً، بدأت أشعر أني أعيش في عالم وهمي، في الماتريكس "محاكاة حاسوبية"، ويقوى شعوري أن البعد الذي اختبرته مع الأسيد هو الحقيقي، وما أحياه في الحياة "الطبيعية" هو مجرد "هلوسات" تكتسب مصداقية بفضل "الإحساس المشترك" أو كما بدأت أسميه "الهلوسة المشتركة"، فهل ذهبت بعيداً في ذلك؟ هل أحتاج إلى طبيب نفسي أو شيخ يتلو علي آيات من الذكر الحكيم. إحدى أشهر الفرضيات حول أننا نعيش في عالم وهمي أشبه بالماتريكس جاءت من عقار الأسيد، بعد أن اختبره بروفيسور في جامعة أوكسفورد نيك بوستروم في 2003 إذ نشر ورقة بعنوان "هل نعيش في محاكاة؟". تقول الورقة إن حضارة تجاوزت الحضارة الإنسانية لديها قوة كبيرة في مجال الحاسوب، اختارت أن تشغل محاكاة لأسلافهم في الكون، ونحن البشرية نعيش في هذا البرنامج. via GIPHY تعلق صحيفة "الجارديان" أن هذه الحجة باتت تكتسب ثقلاً في الاتجاهات السائدة في التكنولوجيا، خاصة مع صعود الواقع الافتراضي، وجهود لرسم خريطة للدماغ البشرية. الأسيد أي عقار أنت؟ لذا أميل إلى الاسم الأخير، والذي يتحمس له جون بيليبتريو أيضاً، وهو عقار "كشفي" للعقل ولإمكانياته الكامنة. بدأت أشعر بتعاطف غريب مع أنماط من الشخصيات متناقضة، هؤلاء المجرمون الذين يعيشون خارج دائرة النظام، وكنت أغبطهم على شجاعتهم، وهؤلاء المجانين الذين يهذون في الحي الذي أسكن فيه بالسيدة زينب بالقاهرة، وكنت أغبطهم على حالهم، وبدأت أقلق على نفسي، لقد بدأت أنسحب قليلاً من الحياة الاجتماعية، أحب سماع الموسيقى، أكتب المقالات والقصص القصيرة، ويزداد ضيقي بمرور الأيام من أي تجمعات بشرية، أصدقاءً وأهلاً وزملاء، وأستمتع جداً مع نفسي، هل أنا على وشك الجنون؟ الإجابة كما يراها جون بيليبتريو تكمن في عدم وجود إجابة على الحد الفاصل بين الجنون الإبداعي والجنون المرضي، ويبرز السؤال الرئيسي دائماً بشأن العقاقير المهلوسة/الكشفية: ما هو المقدار الذي يمكن أن يتحمله نظامك العقلي؟ المشكلة هي كيف تحتفظ بجنون معين بينما تعمل ملكاتك الإدراكية كالمعتاد وبكفاءة، وشغل هذا السؤال الأطباء النفسيين، وظهر أن هناك مرحلة يصبح فيها الجنون الإبداعي ارتكاسياً انتكاسياً، مما يجعله يعوق وظيفة العقل الإدراكية بدلاً من تحفيزها، والمستشفيات العقلية مليئة بحالة ذهان عابرة تحولت إلى ذهان دائم، ومثلت بدايات مرضهم حالة تجارب هلوسة/كشفية مشابهة لتأثيرات الأسيد. يستعرض بيليبتريو حالة لطالب عمره 21 عاماً انتهى به الحال مريضاً نفسياً، يقول عن بداية جنونه: "لقد بدأت مفتوناً بالأشياء الصغيرة من حولي، كان هناك وعي إضافي بالكون مثلما يفعل الفنانون، والمعماريون، والرسامون الجيدون، وانتهى بي الحال لأن أكون عاطفياً جداً، ولكني أشعر بالإثراء وأنا مع نفسي في المنزل، باسترخاء، إنها ليست حالة رؤية أكثر اتساعاً، ولكن أعمق، ولقد فقدت الاتصال بالعالم الخارجي، وفقدت إحساسي بالزمن، استطعت أن أرى بعمق مشاكل الآخرين، وأذهب مباشرة إلى أعمق شيء مع الآخر، وانتابني شعور أني أحب كل شخص في العالم، ومشاركة العواطف معه مثل إزالة الظلال، إزالة الوجه الكاذب". ...
الجنون اللذيذ
مرت الأيام منذ 2014 ، العام الذي اختبرت فيه الأسيد، وزال قلقي حول ما إذا كنت سأجن؟ ولكن ثمة أشياء تغيرت في إدراكي بالحياة، اختفى مرض القاولون من أمعائي، وتلاشت الكوابيس من أحلامي، وبدأت أفكر أني يجب أن أعيش لحظتي، وأعمل ما أحب قدر استطاعتي، وكلما لاحظت التغيرات التي أراها إيجابية على نفسي أتساءل هل يمكن أن نحول حالة الأسيد تلك إلى نمط حياة؟ via GIPHY ... إذا كان لهوفمان فضل في التركيز على القيمة العلاجية لعقار "إل إس دي"، فإن نيكولاس ساند المولود في بروكلين له الفضل في تحويلها لحالة وجودية ولنمط حياة، بحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، عندما تناول العقار عام 1964 جلس كهيئة زهرة اللوتس أمام نار مشتعلة، واستسلم للتجربة، ترك نفسه تحلق في فضاء بعيد كثيف وأسود. سأل نفسه حينها "ماذا أفعل هنا؟" وفجأة جاء صوت عبر جسده "وظيفتك على هذا الكوكب أن تصنع المخدرات السايكدليكك وتحول العالم". via GIPHY حمل ساند هذه الوصايا في قلبه وبدأ يتدرب في معمل "أوسلي ستانلي" الملقب برئيس وزراء الأسيد في أمريكا، وأنتج أنقى أنواع جرعات الأسيد، وباتت علامة في أواخر الستينات. لا يحتاج الأمر إلى دعاية تجاربة، أو مقالات تروج لها، فسرعان ما أصبح الأسيد حالة أسطورية، كما وصف كتاب مارتين لي وبروس شلين في "أحلام الأسيد: تاريخ الإل إس دي الاجتماعي الكامل" الذي طبع 1992، أن العقار وزعته أخوية "الحب الأبدي"، وهي طائفة هيبية استقرت على شاطئ في كاليفورنيا، وتأكد ساند أن "البرتقال المشع" متاح للجنود الأمريكيين في فيتنام، وأمل ساند أن يثنيهم العقار عن الاتجاه للعنف، ويستبدلوه بالمحبة الأخوية. ما كان يطمح إليه ساند في حياته، ودفع ثمن طموحه في السجن والنفي الاختياري بترك عائلته وبلاده إلى كندا ثم كولومبيا، هو أن يحول المجتمعات البشرية عبر الأسيد من تجمعات خائفة ومذعورة تحت حكم الشرطة والجيش، إلى تجمعات إنسانية محمية بالحب والحميمية، وكان يرى أن وجود الشرطة يعني غياب الحميمية، والعكس صحيح. ولكن أطباء في العيادات النفسية اختبروا لدى مرضاهم تلك الآثار الإيجابية للأسيد، حذروا من تعاطيه بتلك الطريقة التي تشبه تعاطي الهيروين، يشدد أكثر من عالم نفس على عدم تناول تلك العقاقير بشكل غير قانوني، يقول أحدهم : فكر في الهيروين والمورفين، الأول يمكن أن يقتلك بجرعة زائدة، والثاني يُستخدم بأمان وبشكل روتيني في المستشفيات "السياق هو كل شيء"، ويشدد طبيب آخر في مقال نشره موقع "بيزنس إنسايدر" على أنه إذا كان هناك مستقبل للأسيد فإنه في المستشفيات وليس بطريقة "خذ اثنين من الأسيد وكلمني في الصباح".
عويس: جنّي مصري صدّر الحريات والمساواة والانتشاء بالمخدرات إلى العالم
رصيف22
غادر إلى مصر بعد أن تعلّم اليوغا في الهند، وأتقن الّلغة العربية، ووقع في غرام التصوّف، واستأجر منزلًا في القاهرة حوّله إلى معمل لاستحضار أرواح الآلهة المصرية أثناء قضاء شهر العسل مع زوجته روز، ولكن أثناء تواجده في المتحف المصري فوجئ بزوجته تُردّد: "إنّهم ينتظرونك".
ارتَبك الشاعر والروائي الانجليزي أليستر كراولي؛ فزوجته لم يكن لها اهتمام بالسحر والتنجيم، تجلّى له شبح مصري، تحدث على لسان زوجته وأملى عليه كتابًا كان رائدًا في الترويج للمساواة الجندرية، والحريات الجنسية، مبكرًا في العقد الأول من القرن المنصرم.
أثّر في ثورة الهيبيين، والنزعات المعادية للثقافة الغربية في ستينات القرن المنصرم، وحَظِيَ بحضورٍ يصعب تجاهله في أغاني الميتال، إنّه "كتاب القانون".
أراد أليستر كراولي أن يتأكد من أنّ الروح التي تُحدّثه من جسد زوجته فرعونية، وسألها عدّة أسئلة عميقة عن الحضارة الفرعونية وكانت تُجيب، نظرَ خَلفه لمرةٍ واحدةٍ حيث تجلّت الروح في أحد أيام الظهيرة ليتبينه بملامح فارسية، ووجهٍ يرتدي قناعًا، سَأَلَه عن اسمه فأجاب: "عويس Aiwass".
عويس: أنا وزير فرعوني وأعلن بداية "عيون" حورس
أمرت روز زوجها كراولي بالجلوس في مكتبه يوم الجمعة 8 إبريل 1904، وفي اليومين التاليين كتب ما سمع، وكان مطيعًا، ومعه ورق وقلم رصاص بريشة، أحسّ بحضور ساحق ومظلم وراءه، وسمع صوتًا دقيقًا "مذهلًا وعجائبيًا"، وصفه بالعاطفي، والعميق، والموسيقي، والمُعبّر، لأنّه كان خاليًا تمامًا من أيّ لهجة، كان صوتًا غير إنساني، وشعر بالصوت كما لو كان اهتزازًا غريبًا في قلبه.
كان لعويس، يُذكر في الترجمات العربية باسم "إيواس"، مظهر شبحي، طويل القامة، وداكن اللون، وأنيق المظهر، ورياضي الجسد، وذو هيئة أرستقراطية، يحمل ملامح فارسية آشورية، ووجهًا مثل وجه ملك وحشي، ممّا أصاب كراولي بالخوف، لذا لم يُلقِ عليه غير نظرة واحدة، وكان يرتدي حجابًا أو قناعًا.
وعرّف عويس نفسَه باعتباره المتحدث في "كتاب القانون": "تماسك! هذا ما يكشفه عويس وزير حوربركات"، وألهم كراولي ديانة "الثيليما"، وأتباعها يطلق عليهم "ثيليمايت".
يقول عويس بصوته غير الإنساني لكراولي في "كتاب القانون": أنا الأفعى التي تمنح المعرفة..وتُحرّك قلوب الرجال بالسكر..كن سكرانَ..استمتع بالمشاعر والوجد وانتشِ، لا تخشَ من أيّ إله ينكر عليك هذه الأشياء".
ويقدم "كتاب القانون" إلهامًا جديدًا، وإحياءً لعقيدة نويت، وحديت، وحورس، وخصّص لها كلّ فصل من فصوله الثلاثة، إنّه عمل متطور يحمل العديد من المعاني الخفية، والرموز العددية، والأفكار العميقة، ولا يزال منذ ظهوره الأوّل حتّى اليوم تتم دراسته بعناية.
ويشير "كتاب القانون" إلى بداية "عيون" "Aeon"، ويعني بها عصرًا جديدًا ابتداءً من عام 1904، سمّاه باسم "عيون حورس"، وكان قبله عصر أو "عيون" الرب الميّت "أوزيريس" ابن "إيزيس"، وهذا العصر "عيون" يتبع حورس الذي هو ماعت، أو الحقيقة، وتعتبر تلك علامة إتمام دورة كبيرة من الزمن الكوني، بحسب تقرير نشرته مجلة "الفجر الجديد".
ويختلف مصطلح "عيون" قليلًا عن مصطلحات "العمر" أو "الدورة الزمنية"، فبحسب تقرير المجلة تعود كلمة "عيون" إلى المدارس الغنوصية، ويُنظر إليها باعتبارها انبثاقًا من الإله الذي يتوسّط الإنسان والتسلسل الهرمي الروحي.
ولعلّه يقصد بها مفردة "عين" كما يتناولها المتصوفة المسلمون، والتي تحمل معاني مثل: حقيقة الشيء، ومقامات وأحوال الأولياء، والجوهر.
وباستخدام هذا الفهم، لا تعتبر "عيون" مجرد مدة زمنية، ولكن فترة زمنية تحت حكم قوة روحية معينة "حورس" تجلب معها ممارسة وصياغة روحانية محددة، ونبوءة خاصة، في هذا السياق يرى كراولي نفسه نبيًا لـ"عيون" جديد، دينه "ثيليما".
روحانية فرعونية تُقدّس الحريّة الفرديّة والمسؤوليّة
أليستر كراولي الشاعر والروائي الانجليزي في فصل الربيع يسبح في نهر بالتورو جلاسير أثناء رحلة عام 1902 لتسلق جبال الهيمالايا[/caption]
يدعو "كتاب القانون"، بحسب التقرير السابق، إلى التخلّي عن جميع الفلسفات الدينية السابقة، ورفض صورة الإله الميّت الذي يُركّز على الألم والمعاناة والكبت الجنسي والذنب. واستبدلها بصيغة "الطفل الإلهي" حورس، ابن إيزيس وأوزوريس، حيث تجلب براءته الشهوانية والانفتاح. ويرتبط حورس في الوقت ذاته بإله اليونانيين مارس، إله الحرب، لذا يؤمن كراولي بفترة كبيرة من العنف بعد بداية "العيون" الجديد الذي سيستمر حتى الإعلان النهائي لـ"عيون ماعت".
وفي الأساطير المصرية يمتلك حورس شقيقًا شرّيرًا يُدعى ست، وهو يُمثّل روح "عيون" حورس حيث تمتاز بالكآبة، والتقلب، والبرودة، وعدم التوقع.
وبالنسبة إلى الوصايا الأخلاقية التي أملاها عويس في "كتاب القانون" نَلمح شكلًا من الأناركية مع الحرية الكاملة للفرد، ويقابل ذلك مسؤولية كاملة، ينصّ "كتاب القانون": "افعلوا ما تُمليه عليكم إرادتكم؛ فهذا هو القانون الكلّي". فهو لا يقول افعلوا ما يحلو لكم، أو ما تشاؤون، ولكن تتبعوا مصيركم الحق، هذا القدر يأتي عندما تعثر على نفسك فعلًا، هذه الذات الحقيقية تُعرف باسم الإرادة، أو النجم، والعلاقة بين النجوم هي "الحب"، ومِن ثَمّ "الحبّ هو القانون، الحبّ تحت الإرادة".
مفاهيم الإرادة والحب مركزية في "كتاب القانون"، ويربط بين النجوم في السماء والكينونات البشرية على الأرض، وتعتبر السماء في مصر القديمة الحياة الآخرة، وعندما يموت الشخص يُصبح "نجمًا"، ولكلّ نجم مكانه الفريد في الكون ومداره الخاص ومصيره، وهذه المُثُل الأساسية في البُعد السياسي لديانة "ثيليما" حيث "كلّ رجل وكلّ امرأة نجم".
ويؤمن "كتاب القانون"بالنخبوية، يقوم على مفهوم "آريتي" أو التفوق، ويمكن أن نُفسّره بأنّه "الجدارة"، على الرغم من أنّ الفرد مزوّد بإمكانية الحرية الكاملة، فهو يجب أن يمارسها في مسعى لإيجاد نفسه، أو كما ينصّ الكتاب: "ليس لك الحق في شيء سوى القيام بإرادتك".
عويس: المتعة الجنسية مثابرة وانضباط وليست شهوة عابرة
كينيث غرانت"2011-1924" أحد الممثّلين الأكثر إثارة للجدل لـ"ثيليما" في القرن الماضي، يرى أنّ وجهة النظر الهيبية المُستَغرِقة في الملذّات، وهي النسخة الشعبية لتلك الديانة في الستينات والسبعينات، روّجت لوجهة نظر ضيّقة.
بدأ غرانت يُحقّق في أفكار "كتاب القانون"، متتبعًا أصولها في الثقافات السابقة، وجد أنّ التعاليم المُتعلّقة بالجنس في الكتاب ليست مجرد دعوات لقضاء وقت جيد مع فتاة، ولكن جزءًا من تقليد تانتري أو يوغي قديم، يُطالب بانضباط كبير، ومثابرة.
التعاليم العامة لـ"كتاب القانون" تعرض مستوى من الإرشاد والتوجيه للرجل والمرأة العاديين، إنها تعاليم داخلية يمكن أن تتماشى مع التانترا، واستمرت هذه التعاليم في الغرف المغلقة للخيميائيين والسحرة.
هذا الفهم الجديد لـ"ثيليما" يعتبر إعادة لثقافة طائفة تيفونيان المصرية، ويصل بنا إلى إعادة اعتبارها كشكل فريد للإيمان الفرعوني بالآلهة مع فلسفة اجتماعية وسياسية وروحية متقدمة للغاية، وفي جوهرها الكشف عن "عيون" جديد عبر التواصل مع ممثل غير أرضي "عويس" ومعه آخرون، وتمثّل استمرارًا لأقدم الأشكال الدينية المعروفة في مصر وما خلفها.
لذا يعتبر التقرير أنّ فلسفة ديانة "ثيليما" و "كتاب القانون" تمنحنا لمحة فاتنة حول تكييف الديانة المصرية القديمة لتتماشى مع العصر الحديث.
بداية عصر الحريات الجنسية والمساواة الجندرية من القاهرة
[caption id="attachment_156559" align="alignnone" width="700"] أليستر كراولي يظهر في ألبوم "Sgt. Pepper's Lonely Hearts Club Band" للبيتلز فرقة الروك الانجليزية[/caption]
يعرّف سكوت ثاير، يعمل في الأوبرا بالقاهرة وموسيقي وكاتب روايات علمية، حالة كراولي بأنّها ممارسة لعقائد السحر، بغرض إثارة سلطة الآلهة في كل جزء من الحياة اليومية.
يكتب سكوت ثاير في مقال على موقع "كايرو سين" أن ما حدث لكراولي وزوجته أطلق دينًا وفلسفة جديدين استمر تأثيرهما في كل شيء منذ الستينات حيث النزعات المعادية للثقافة، من البيتلز إلى الهيفي ميتال، ولكن هذا الرجل باتت سمعته في الألفية الجديدة سيئة، ولُقب بأنه "أخبث رجل في العالم"، وربطوا اسمه بالسحر والشعوذة وعبدة الشيطان.
ويدافع ثاير عن كراولي بأنه كان مستاءً من التربية الدينية المتشددة التي وُلد فيها، ووصفته أمه بـ"الوحش"، وأحبّ كراولي هذا اللقب، وأكمل نشاطه الذي بدأ ينمو ضدّ التسلّطية، وسيشير إلى نفسه بعد ذلك باعتباره الوحش العظيم 666.
عندما ذهب إلى مصر وتجلّى له عويس وسمّاه "رسول حورس"، وكتب في الوقت الذي لم يكن للمرأة فيه حق التصويت: "أقول أن "كل رجل وامرأة هو نجم" نحن لا نخدع ونضرب النساء، ولا نكرههن، ونسيء إليهن، بالنسبة لنا المرأة في حد ذاتها مطلقة، أصيلة، مستقلة، حرة، لها تبريرها الذاتي تمامًا مثل الرجل".
وروّج لأفكار مثل تحدّي الأعراف والتقاليد، والحياة بحسب إرادة الشخص بدون تدخل إرادة الآخرين، كان كراولي صوت المساواة الجندرية، وتحدّث علنًا ضد استغلال الأطفال، وناصر توسّع العقل عبر المخدرات، مثل الحشيش والكوكايين، وكان متقبّلًا للمثلية.
ويوجز ثاير: كراولي هو جزء من العالم الذي نعيش فيه الآن، واللحظة الفارقة كانت في القاهرة.
جبريل وعويس وفيلمون … ملائكة وعفاريت فَتَحُوا عَوَالِم الخَيال والسِّحر لأصحابِهم وغَيَّروا العالم
رصيف22
كثير منَّا يمرّ بتجارب روحانية، ويرى كائنات خرافية، ويسمع أصواتاً لا وجود لها، والكثير يخاف، يذهب للطبيب النفسي يوصي له بعلاج، أو شيخ يقرأ عليه كلمات مقدسة، صديقتي قاصة 38 عامًا وربة بيت، مارسَت تأمّل الشمعة لساعات، وبدأت تشعر بخدر لذيذ يزحف على جسمها، وثقل في وزنها، وقبل أن تشتعل الرؤى والخيالات توقّفَت، واستعاذت بالله من الشيطان ولم تعد، وصديق آخر، 36 عامًا، مترجم عبري، يعاني من اكتئاب وضغوط حياة، فور أن مارس التأمل اختفى العالم "الواقعي"، وبات يرى ألوانًا وكائنًا شبحيًا أسود يطوف في الغرفة، توقف حينها، وعزم على ألّا يعود، وبينما كنتُ في ترباية هلوسة من أثر المشروم، رأيت كهفًا وخرج منه "هندي أحمر"، بنظرات حازمة، أصابني فزع كبير، وتجمعت على نفسي أطلب من الجميع أن ينجدني. ولكن ثمة أشخاصاًً ساروا بعيدًا مع العالم الآخر، ليس فقط اختبروه، غيروا فيه وغير فيهم، ولكن آمنوا به، وصدقوه، ودعوا الناس وحرضوهم عليه، ظهرت لهم كائنات روحانية، ملائكة وشياطين، غيّرتهم، وألهمهتم برؤى وأفكار، لم تغيرهم فقط، ولكن أحدثت أثرًا كبيرًا في العالم، أبرزهم..
جبريل: ملاك أوحى بـ"القرآن" لمحمد
بدأت قصة الملاك العبراني مع محمد النبي العربي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، كان محمد بعد أن كان يرى الأحلام في منامه ليلًا، تتحقق صباحًا، بدأ يحب الخلوة، فاختلى بنفسه لأيام وشهور متوالية في غار حراء شرق مكة، مكان طوله 4 أذرع فقط، يقف أمامه فيرى مكة كلها بخيامها وأغنامها ونيرانها، وبعد فترة قضاها صامتًا، متأمّلًا، بدأ يسمع طنينًا في أذنه يشبه صلصة الجرس، سيفسّره بعد ذلك لأصحابه بأنه صوت الوحي، وحفيف أجنحة الملائكة عندما تُنفّذ أمر ربها، وبدأت الجبال تتحرّك من أماكنها، والنجوم تهوي، والأرض تتصدع، والسماء تتشقق، لم يكن يعلم أنّ ما يراه الآن سيتحول إلى آيات مقدسة، يرتلها الملايين، وفي إحدى الليالي تجلّى له ملاك في هيئة رجل طويل، حسن الهيئة، صحيح القوام ليس في حسنه وجسمه عيب، فرّ محمد منه إلى خديجة زوجته وأم أولاده. انحنى محمد على ركبته أمام جبريل، ثم وقف ثانية، وذهب إلى خديجة مرتعشًا، يقول لها: غطّوني غطّوني، حتى هدأ، ثم جاء له جبريل مرة أخرى في غار حراء، حينها فكر محمد بالانتحار، ولكنه تجلى أمامه، وقال له بصوت يشبه الطنين: "يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله"، وحضنه ثلاث مرات، حتى تعبت عظامه، وقال له الآية الأولى لكتاب مقدس سيكون له شأن كبير: "اقرأ باسم ربك الذي خلق".
وجاء في تفسير الطبري أنّ جبريل كان هو السبب في رفض بعض اليهود الدخول في الإسلام، يحكي المفسر الشهير وأحد أصحاب محمد وولد عمه عبدالله ابن عباس حضور مجموعة من اليهود يسألون محمداً عن أمور لاهوتية، وبعدها يقرّرون ما إذا كانوا سيؤمنون أم لا، واتفقوا معه على كل شيء ما عدا جبريل، قالو له: "أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة؟"، فقال محمد مدافعًا عن ملاكه: "وليّ جبريل ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه"، قالوا له: "فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك".
وقال اليهود لمحمد، بحسب تفسير الطبري الذي اعتمدناه في سرد القصة، "يا محمد ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب"، وقال ابن عباس أنّ جبريل تعني عبد الله، وقد وصفه القرآن بأنه "ذو مِرّة"، وفسرها المفسرون بأنها تعني ذو خلق حسن، أو منظر حسن، أو ذو جسد طويل حسن. لسوء الحظ لم يتحدث النبي العربي محمد عن خبرته الباطنية تلك في الالتقاء بالملاك جبريل، ومعظم من تحدثوا عنه بعد محمد من المتصوفة كان من منطلق إيماني عقائدي، ولكن الشاعر الانجليزي وفيلسوف الهيبية أليستر كراولي قدّم محاولة لفهم تجربة التقاء محمد بجبريل بحكم أنه التقى بكائن روحاني آخر "عويس"،
واستناداً إلى تجربة "بوذا" التي يعتبرها محاولة مكتملة للخلوة والتأمل، يقول كراولي في كتاب "التأمّل" مدافعًا عن التجربة الروحانية لمحمد، أنه وصل إلى حالة يُعرّفها الهنود بـ"ديانا"، التي تعني أن الإنسان من فرط تأمله، وسكونه، تتحرك الجمادات أمامه، وتتغير، فتهوى النجوم، وتتحرك الجبال، أو كما أوحى جبريل: "والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علَّمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى". "ديانا" الدرجة التي بلغها محمد من تأمله في غار حراء تعني، بحسب كراولي، درجات مختلفة من النشوة، ويتحدث عنها الهندوس بأنّها أعلى المراحل قبل الوصول إلى "النيرفانا"، ويصفونها بالشمس، لا أحد يمكن أن يرى الشمس، ولكنك ترى كل شيء بها، لا وجود للأفكار والزمان والمكان، والأفكار تندفع للأعلى، أعلى تطور لها، ويعتقد صاحبها أنه يمتلك "العقوبة الإلهية"، وينزل إلى العالم بشريعة إلهية، وإدانة لكل من لا يعترف ويلتزمها، ويُصرِّح بأفكاره بلا قيود، لأنَّ أناه غير موجودة "إنّما أنا بشر مثلكم"، تمامًا مثل الكون يتخذ وضعًا مغايرًا، فيغدو غير حقيقي، أو زائلاً أمام القوة التي ألهمته، "كلّ من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، ويتحرّر من "المعوقات التافهة"، بتعبير كراولي، التي تمنع الناس العاديين من تنفيذ إرادتهم، إذ يقلقون حول كل شيء، الملابس، الطعام، المال، كيف حدث هذا؟ ولماذا حدث؟ وفوق كل ذلك الخوف من العواقب التي تمنع كل شخص من فعل ما يريد، يوجد في العالم كثير من الأناركيين الفوضويين الذين لا يعترفون بالمجتمع والدولة، ولكن نادرًا ما تجد أحدًا يندفع في إرادته لتحقيق رؤيته إلى أقصى ما يستطيع، بسبب "المعوقات التافهة"، باستثناء من وصلوا إلى مقام "ديانا"، مثل محمد وعيسى، بحسب رؤية كراولي.
يكتب كراولي واصفًا حالة محمد: "لقد تلاشى الكون فيه، وتلاشى هو في الكون.. لذا يمضي في طريق إرادته بدون عوائق". وتحكي الروايات التي يؤمن بها المسلمون، أنّ جبريل شقّ بطن محمد، واستخرج مادة سوداء، ليعود قلبه أبيض كالثلج، وأخذه في جولة إلى السماوات، رأى فيها أشقاءه أنبياء بني إسرائيل، وكان موسى أعلاهم منزلة، وهو النبي الوحيد الذي تحدث إلى الله بدون واسطة كجبريل، وأحيانًا كان يظهر جبريل للناس، وصفه عمر ابن الخطاب صديق محمد وثاني الخلفاء بعد موته بأنّه "شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر"، وسأل محمد عن أمور دينية، وعندما انصرف قال محمد لأصحابه: "إنه جبريل أتى يعلمكم دينكم".
عويس: فرعوني أسمر يناصر الفردية والاستمتاع
تجلّى الجنّي المصري "عويس" لأليستر كراولي "1875-1947" في هيئة رجل طويل القامة، غامق البشرة، جسد رياضي، أرستقراطي، ملامحه فارسية آشورية، صارمة، أدخل على قلب صاحبه الخوف، لم يستطع أن ينظر إليه مباشرة فقال له "عويس": "تماسك! هذا ما يكشفه عويس وزير حوربركات"، وألهمه ديانة "ثيليما"، وأوحى له جملاً كتبها في "كتاب القانون"، الذي شكل إنجيلًا لحركة الهيبية: "أنا الأفعى التي تمنح المعرفة.. وتحرك قلوب الرجال بالسكر.. كن سكران، استمتع بالمشاعر والوجد، انتش، لا تخش من أي إله ينكل عليك هذه الأشياء".
ظهر عويس لكراولي في المتحف المصري بالقاهرة، وقالت له زوجته: "إنهم ينتظرونك"، وحدثته الروح مرّة أخرى عبر جسد زوجته، ووصف صوت عويس بأنه دقيق ومذهل وعجيب وعاطفي وعميق وموسيقي ومعبر، وكان يملك اهتزازًا غريبًا في قلبه. رفض عويس، الذي يبدو وكأنه الصورة المناقضة للملاك العبراني، صورة الإله الميت على الصليب، وتقديس المعاناة والألم، واستبدله بـ"الطفل الإلهي" حورس، وهو في الأساطير المصرية ابن إيزيس وأوزوريس، وحضوره يجلب الشهوانية والانفتاح، ويستدعي حورس روح شقيقه، المناقضة لروحه، "ست" حيث الكآبة، والتقلب، والبرودة، وعدم التوقع، لذا تنبّأ كراولي بفترة طويلة من العنف بعد بداية عصر حورس، أو "عيون ماعت"، حيث كلمة "عيون" تعني سيطرة روحية لإله معين، حتى ينتهي هذا العصر.
ويوصينا الجني المصري "عويس" في "كتاب القانون" بتتبّع مصيرنا، وشغفنا، وإرادتنا الحرة والحقة، حتى نعيش قدرنا، مثل النجوم في السماء، ويعتبر العلاقة بين النجوم هي الحب، الحب هو القانون في السماء بين النجوم، وبين البشر الذين اكتشفوا أنفسهم، وعاشوا إرادتهم على الأرض. ناصر "عويس" المرأة وحريتها، في النصف الأول من القرن الماضي، وهو الوقت الذي لم يكن للمرأة فيه حق التصويت، واعتبرها تمامًا مثل الرجل، وتحدّى الأعراف والتقاليد، وتقبّل المثلية، واعتبر المخدرات أدوات لتوسيع العقل والوعي.
فيلمون كائن خرافي أو "بصيرة" يونغ
في لحظة شك، وشعور بانعدام الجدوى، كتلك التي صاحبت محمداً عندما تجلى له جبريل، وهو يفقد الثقة بوجود معنى لما يراه، تجلّى لعالم النفس السويسري، وهو من مؤسسي مدرسة "التحليل النفسي"، كارل يونغ، الجني الأسطوري "فيلمون"، الذي كان له شأن، يشبه عويس وجبريل.
ولحسن حظنا فإنّ لدينا سجلات يونغ التي كتبها لحظة التقائه بفيلمون، اعتمدنا في القصة على المقدمة الطويلة والمُعمّقة للنسخة العربية من "الكتاب الأحمر"، يكتب يونغ: "كانت هناك سماء زرقاء كالبحر، مُغطّاة ليس بالغيوم بل بكتل بنية مسطحة من التراب، بدا كما لو أنّ الكتب تنقسم، وتصبح مياه البحر الزرقاء مرئية بينها، لكن الماء كان بزرقة السماء، فجأة ظهر من اليمين مخلوق مُجنَّح، يبحر عبر السماء، رأيت أنه رجل عجوز، لديه قرنا ثور، كان يحمل أربعة مفاتيح، تمسّك بأحدها كما لو أنه على وشك فتح قفل، كان لديه جناحا سمكة رفراف بألوانها المميزة، بما أنني لم أفهم صورة الحلم، فقد رسمتها كي أطبعها في ذاكرتي". وهو يرسم الصورة وجد سمكة رفراف ميتة، وهو في حديقته قرب شاطئ البحيرة، وبعد مرور سنة كتب يونغ عن فيلمون: "كان وثنيًا وأحضر معه جوًا مصريًا هلينيًا مع ألوان غنوصية، هو من علّمني الموضوعية الروحية، واقع الوساطة الروحية.. كان فيلمون يُمثّل بصيرة سامية". وفي نفس العام الذي تعرف فيه على عفريته "فيلمون" قدّم يونغ استقالته كرئيس لرابطة التحليل النفسي العالمية، وكمحاضر في كلية الطب في جامعة زيورخ، ليتفرغ لعالم الخيال والسحر والإلهام، ولكنّه تعامل مع فيلمون بطريقة مختلفة عن محمد وكراولي، إذ احتفظ بكتاباته عنه ولم ينشرها حتى مات.
فيلمون: الخيال والأسطورة هي الحل
دوّن يونغ اختباره لحالات "الهلاوس البصرية"، التي بدأت منذ أن كان صغيرًا، في الثانية عشرة من عمره، وهو يمرّ بساحة كاتدرائية في بازل بسويسرا، مستمتعاً بالشمس والطبيعة، شعر بالخوف من فكرة وصفها بالخطيرة تقترب منه، وبعدما ترك نفسه على طبيعتها، يقول إنه "رأى الله على عرشه"، يحطم سقف الكاتدرائية، ويدمرها، وأحس حينها بوحدته أمام الله، ومسؤوليته، وفسرها بأنها تجربة "المُخلّص الحيّ المباشر" الذي يقف خارج الكنيسة. ما فعله يونغ هو أنه أراد أن يعيش أسطورته الشخصية، ليُحفّزنا على أن نعيش أسطورتنا، وأن نعثر على طريقنا، واكتشف أننا جميعًا بداخلنا كل تلك الملائكة والجنيات الأسطورية، أطلق عليها "الأنماط البدئية"، والأمراض النفسية ما هي إلا انعدام توازن كبتنا وخوفنا من هذا الخيال، يرى فيلمون، عفريت يونغ، أنّ مشكلة الإنسان الحديث أنه يحاول دائمًا التأقلم مع العالم الخارجي، ولكنه يتجاهل عالمه الداخلي، عوالم الخيال والأسطورة، وإن ظهرت له ينكرها، ويسألكم فيلمون أن تبذلوا جهداً مماثلاً لتعيشوا هذا الخيال، وتتكيفوا مع عجائبه وغرائبه.
عمليًا، يطلب منكم يونغ أن تتخيلوا، أشخاصاً تقدسونهم، أو تعشقونهم، وتنفصلوا عن وعيكم. اجعلوا أناكم شاهدة فقط وغير فاعلة، واسمحوا للشخصية الأسطورية بالحضور، أن تتحدث بطريقة منفصلة عن شخصياتكم، دعوها تظهر مع تداعياتها من أفكار وهلاوس، يسمي تلك الخيالات "الصور المسيطرة"، الآلهة، السلطات الحاكمة، وكل ما يراه الولي الصوفي أو الغورو الهندي هو بداخلكم أيضاً، ويطلق على هذه العملية "التخيّل الخلّاق". هل تشعرون أن هناك أكثر من شخصية داخلكم؟ هل لاتزالون تخافون من الهلاوس والعفاريت؟ هل تخشون من كلام الناس؟ استمعوا إلى الملاك العبراني ملهم أنبياء بني إسرائيل، جبريل وهو يهمس في أذن محمد بصوت يشبه "صليل الجرس"، بعد أن يفقده الخدر اللذيذ وعيه، ويثقل جسمه، ويتصبب جلده عرقاً: "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك"، "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون"، وتحدث عويس بصوت موسيقي جميل لكراولي "ليس لك الحق في شيء سوى القيام بإرادتك"، وكتب يونغ وهو ينصت لأزيز عفريته الأسطوري فيلمون: "يسعى عصرنا إلى ينبوع جديد للحياة، لقد وجدت واحدًا وشربتُ منه، وكان مذاق الماء شهيًا".
في انتظار الديلر "ثورة الذوق"
الجزء الأول
ألترا صوت
في منتصف ستينيات القرن المنصرم، يقبع المغني الشعبي رود ريجيز منتظرًا الديلر في الحانة، دور واحد مغلف بالخشب، الجو دافئ ومعبأ برائحة التبغ، يحتسي الشامبانيا، تأتي فتاة شقراء تجلس جانبه، تمارس ما أتقنته من فنون الإغراء، تضطرب لعدم اضطرابه، أكثر ما يخيفها أن تفقد جاذبيتها كأنثى، تصرف الكثير من المال والوقت لإشعال قضيب الرجال، حتى باتت العيون الجائعة للرجال تمثل حالة الذروة لديها.
يقول لها ريجيز بصوت خافت، كأنه يخشى أن يفتح فمه: "أنا مستني شوجار مان"، تبتسم ابتسامة باردة وتتركه.
يخرج جيتاره كعادته محاولًا قتل وقت الانتظار، أعجبته كلمة شوجار مان، "رجل السكر ماذا لديك، أنا أنا" يقف قليلًا، يعزف بشكل عشوائي على جيتاره، ترفع الشقراء كأسها من بعيد مبتسمة، ظنت أنه أراد الخلو إلى نفسه ليعزف موسيقى جديدة، ارتاحت من تأنيب ضميرها.
shareلم يكن ليدرك رود ريجز سوى أن ثمة بشرًا في جنوب أفريقيا، ستلهمهم موسيقاه عشق الحياة ورفضًا لنظام الفصل العنصري
تحت الثلج البارد، والريح الخفيفة، ورقصات النجوم على ضوء القمر الفضي، خرج رود ريجيز مرتديًا جاكيت جلد أسمر، وعلى وجهه ابتسامة، يرى دراجة بخارية يمتطيها الديلر، يخترق الريح والثلج إليه، تمتم إلى نفسه مدندنا: "شوجار مان، ماذا لديك، تعبت مما أرى، كل ما أراه قبيح، كل ما أعيشه ممل، عقلي ممتلئ بالأسئلة ولا إجابات، يا رجل السكر من أنت عندما تظهر تختفي كل الأسئلة"، وقف الديلر، عرض عليه كوك وماريجوانا وأسيد، أخذ من كل صنف، وأعطاه بزيادة، "إيه أغنيتك يافنان" "باعمل أغنية عنك"، "هاها أنا".
عاد إلى البار، وبدأ عقار الأسيد يعمل في عقله، للمرة الأولى يد خفية ساحرة أطلقت عنان الدماء أضعاف المرات في عقله، توقفت الخلايا العصبية المسؤولة عن المكافأة والعقاب، هذا التماسك الذي يراه أمام عينيه ساح، امرأة تضحك فيرى أشياء، يصاب بتشوش جميل، لأول مرة لا خوف لا أمل لا إحباط، انتشاء مصحوب بتفاعل خلاق حاد.
يحمل جيتاره مرة أخرى ويدندن "رجل السكر ماذا لديك، إني تعب مما أرى، من أجل العملة الزرقاء ردها إلى هذه الألوان لأحلامي، ماذا لديك يا رجل السكر سوبر ماجيك شيبس أنت تحمل، كوك سويت ماريجين"، شعر من داخله إن هذه اللحظة التي انتظر فيها الديلر غير عادية، ليست مجرد لحظة إلهام لأغنية شوجار مان، إنها لحظة وعي، كتلك التي جاءت لبوذا وهو يتمشى بين الأشجار، ولنيوتن عندما سقطت التفاحة.
لم يكن رود ريجيز يعلم أن ما يختبره كانت ظاهرة ولم تكن حالة فردية، لم يكن يدري أن على أراضي فيتنام كان جندي أمريكي يختبر ما اختبره، اعتزل الكتيبة متأملًا الشجر والزهور واليعاسيب، قلق عليه القائد، اقترب، ربت على كتفيه "هل أنت بخير؟"، "نعم أنا بخير ولكن العالم ليس بخير"، لم يكن يدري أن ليزا ذات الأربعين عامًا، والأم لابنتين، بدأت تلملم أشياءها، وسط استنكار صارخ من زوجها "أنا فنانة حارجع ارسم تاني".
لم يكن ليدرك رود ريجز أن ثمة بشرًا في جنوب أفريقيا، ستلهمهم موسيقاه عشق الحياة ورفضًا لنظام الفصل العنصري، وأن لفيفًا من الشباب الذين شاركوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، وبعد قمع اجتماعي وسياسي أرهق أرواحهم وأزهق أحلامهم يستمعون إليه، وهم ينتظرون الديلر تحت أقدام الأهرامات في نزلة السمان ليختبروا حالة مشابهة له ومختلفة عنه.
المختلف الذي تحدث عنه رود ريجيز وفرق بينك فلويد وإلوي ومن نحا نحوهم "نتحدث عن الموسيقى السايكدليك لبروجريس روك" هو اختلاف جذري، ليس فقط في التذوق الموسيقي، ولكن في إدراك العالم وكينونتنا، اختلاف عن طبيعتنا البشرية التي راكمت الخوف والقلق على امتداد آلاف السنين.
يقول علماء الحفريات أن عظام الإنسان التي بدأت منذ أن كانت سمكة، والخلايا التي تتعاون معًا منذ أن كانت بكتيريا وحيدة الخلية، بدأت تتكاتف، والعظام تتطور، والحافز لهذا التعاون والتحوير الجيني كان الحفاظ على الحياة، بكتيريا تأكل بكتيريا أضعف منها، تتحور الجينات، لتكون أكثر دفاعًا عن نفسها، الأسد يجري خلف الغزالة، الغزلان تخاف، سرعتها أخف، وسمعها أدق، ولون جسمها أقرب شبهًا للون الطبيعة التي تحيا فيها.
بعد مرور ملايين السنين، استطاعت الجينات أن تحدث ثورات، عقب ثورات، لتخرج لنا هذا الكائن المدهش لنفسه وللكائنات الحية الأخرى "الإنسان"، لتكون أجهزة الإنسان الإدراكية دفاعية أكثر، تعتمد على غرائز الخوف الغريزي وحب العيش الغريزي، لا يكون إدراكك حادًا إلا إذا شعرت بالخطر والخوف، حينها ستسمع ستشم ستبصر.
غير ذلك فأنت قابع في كهفك المظلم الخاص، لا تسمع إلا نفسك مهما سمعت، ولا تبصر إلا احتياجاتك مهما عشقت، ولا تؤمن إلا بألوهيتك مهما ادعيت من إيمان بالله، من هنا ذوقك في القراءة والاستماع ما هو إلا صدى جميل لخوفك وإحباطاتك ونزعاتك المكبوتة للحرية وللقاء الحبيب، قس ذلك على الغناء الطربي الذي أبدعت فيه أم كلثوم، أو التعبيري الذي أبدع فيه الشيخ إمام.
إن الأدب والاستمتاع بالجمال جزء لا ينفصل عن منظومة الحياة الاجتماعية والسياسية والنفسية، ومنذ الهزة الكبرى التي أحدثتها الكوانتم في أوائل القرن الماضي، وحولت العالم من آلة كبيرة تعمل بشكل متقن إلى فيض من الطاقات والمواد متناهية الصغر التي لا يمكن عدها، ولا يمكن رصدها، وأن الرصد نفسه والعد نفسه يسهم في تغير وضعها، هذا الاتصال بين العالم والمادة في المختبر، هذا الإعلاء لقيم الفوضى والشك على النظام واليقين، ما زالت ثورة عظيمة لم تؤت أُكُلها، رغم محاولة علماء أن يستنبطوا فلسفة مغايرة ومتماشية مع "الحقائق" الفيزيائية الجديدة.
واو! أي عالم مدهش أدخلتنا إليه الفيزياء، لقد تداخل العلم والفن بعد ثورتها حتى لباتت بعض الروايات والموسيقى والأفلام أقل إثارة وإمتاعًا وتخيلًا من الفرضيات والنظريات الفيزيائية، لقد بات احتياجنا إلى ثورة في الأدب ضروريًا لمواكبة هذا التداخل والتعقيد والفوضى الخصبة، ثورة قد تجعلنا نعيد فهمنا للأدب ودوره ولطريقة تذوقنا لجمالياته.
في الأدب حاولت مدارس فرنسية إحداث ثورة تقنية سرعان ما بهتت واختفت، لأن الروايات الأكثر مبيعًا التي تعتمد تقنية شكسبير الروائية المعمارية كانت أكثر تناغمًا مع القراء، وبعد اختفاء دور المكتبات وبيوت النشر والجامعة في تبني المثقف والأديب، وبروز الإعلام المرئي والمسموع اختفت ظاهرة الأديب الفيلسوف الشامل، وأفسحت الطريق للكتاب الأكثر مبيعًا.
المشكلة التي لم يدركها الأدباء أن إدراكهم نفسه كان منمطًا يفتقد إلى المرونة لتجسيد، أدبيًا وإبداعيًا وجماليًا ثورة الفيزياء، وذهب آخرون مثل مدرسة "شعراء البيت" إلى تبني الكتابة المجاورة للوحات الفنية لتتشارك الصورة والكلمة، وهي طريقة أبدع فيها الشاعر الرومانسي ويليام بليك، ولكن ظلت التجارب الأدبية في النهاية بعيدة كل البعد عن مجاراة الثورة الفيزيائية، إلى الدرجة التي باتت فيها قراءة المادة العلمية للفيزياء تثير شعورًا جماليًا وتداعب الخيال وتمتع الحواس أكثر من قراءة الشعر.
لنقرأ كلمات لمريضة نفسيًا تدعى روزاليند هايوود وبلغت بها الجرأة أن سجلت مذكرات لمقاربتها الجمالية الثورية في الاستماع إلى الموسيقى، والتي كتبت تصف هذا الفن قائلة في مذكراتها "الخلية اللانهائية": "إحساس مرهف تسمعه بدرجات متفاوتة طول الوقت "ويزداد في بعض الأوقات عن الأخرى"، دعونا نقرأ كلماتها كاملة، التي كتبتها وبداخلها شعور بالخوف مما يمكن أن توصف به، وتشعر بالمغامرة، والعجز عن الوصف، تقول تصف طريقتها في الاستماع إلى الموسيقى:
"هو نوع من الذبذبات الداخلية شبه الصوتية، أقرب شيء يقاس عليها هو الضوضاء التي تسمع في محارة البحر حينما نضعها على الأذن، أو ربما كانت كصوت المحرك الدائري الذي نسمعه عن بعد. ربما بدا ذلك للآخرين طنينًا في الأذن، ولكنه بالنسبة لمن مر بالتجربة يبدو له أنه لا يسمع بالأذن، ولا يعرف للصوت مكانًا، بل هو بالأحرى مثل الضوء يسود الجو كله، وإن كان إدراكه يتضح في إطار قوس واسع فوق وخلف الرأس ولا أستطيع أن أشرح ما أقصده بدقة، فلا يبدو أنه يرن خلال الفضاء الخارجي ولكنه بعيد وعميق "في الداخل"، وربما تكون كلمة الحدية أو حصر الحدود هي أنسب ما يعبر عنه فإذا ما صحت شكوكي التي أغامر بها، فلن يكون هناك حد فاصل بين الحس العادي والحس الفائق" -نقلًا عن كتاب ما بعد الحياة لكولن ويلسون.
رابط مختصر "ألترا صوت": https://goo.gl/tSthD6
في انتظار الديلر "ثورة الذوق"
الجزء الثاني
ألتراصوت
فصل كولن ويلسون الاتجاه الخاطئ في الوعي، الذي سارت فيه البشرية بنظرية جوليان جاينز "العقل مزدوج الرؤية" فيعتقد جاينز أنه بسبب خطورة وتعقيد الحياة فقد دفعت الإنسان إلى التركيز على الحفاظ على وعيه بالحياة، الانتباه والحذر لأمور الواقع المعيشي، قبلها كان الإنسان في مرحلة أخرى من إدراك العالم "يستمع لصوت الآلهة" حتى عام 1200 قبل الميلاد، ولكن ثمة كوارث في البحر المتوسط مثل تفجر بركان سانتوريني الذي دمر الحضارة، وغزو البربر المخربين "شعوب البحار"، في تلك العصور تعرض الإنسان لفترات من القسوة للمرة الأولى.
صك كولن وليسون كلمة "عتبة الجمال" ويقصد بها مقدار ما يتطلبه الأمر من دوافع لاستثارة الإدراك الجمالي الكامن لشخص ما
ويتفق مع كولن ويلسون الفيلسوف الهندي أوشو في محاضرات عن الأدب الصيني، فقول إن الصين القديمة كانت تحوي نخب يختبرون مستويات عميقة من الوعي، إلى الدرجة التي اعتبرها هؤلاء الحكماء عصية على أن ينقلوها بالكلمات، كانوا ضد تدوين كلماتهم على ورق، حتى من خلفوا وراءهم أدبًا يعتبرون اللغة ظاهرة عصابية "مرضية"، وكانوا يقدسون الموسيقى أكثر، وشاع بينهم أنه من أراد أن يتعرف على قوم فلينظر إلى نوع الموسيقى التي يستمعون إليها، وكانو يقدسون اللحظات التي يختبرون فيها الصمت، ويعتبرونه عالمًا واسعًا، وليس مجرد سكون يختفي فيه الكلام، ولكن رؤى بصرية وسمعية وشمية تنقل حواسهم إلى بعد آخر في هذا العالم.
وبلغة كولن ويسلون فإن تطويرهم لحواسهم هي محاولة لتخفيض "عتبة الجمال"، ويحكي ويلسون عن تجربة كريشنا أنه حين كان يسمع كريشنا عبارة أوم يغرق في "سكر إلهي"، ويذكرنا ذلك بالمتصوفة الذين ينتابهم حالة من الجذب عندما يستمعون لأشعار العشق الإلهي، إن كلمة الحلاج "من ذاق عرف"، والنفري "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة"، تشكل أسسًا جمالية حديثة لأدب يجب تثويره.
وتتفق تلك الفكرة مع الثورة في عوالم الفيزياء، التي اكتشفت أن الكون عبارة عن طاقة وفوضى منعدم فيها اليقين، ولولا هذا النقص والخطأ في الحسابات لما كان لكوكب الأرض أن يأتي، ولا للحياة أن تتواجد "تاريخ موجز للعلم"، وتبتعد حقائق الفيزياء عن الزمكان والكوانتم عن تجربتنا المباشرة اليومية، إلى الدرجة التي تجعل عقلنا المنمط غير قادر على هضم واستيعاب تلك الأفكار، وهو ما يدفعنا أكثر إلى وصف رؤيتنا ومشاعرنا بأنها مشوهة، وكل ما ينجم عنها من أفكار وأخلاقيات ونظريات وفلسفات.
أين الأدب من كل ذلك؟ وأين الإبداع الذي يتفاعل مع حقائق العصر؟ البشر اليوم ليسوا بأكثر ترديًا من نظرائهم في القرون الغابرة، لماذا نلقي باللائمة على الإعلام ونمط الحياة المعاصرة في عدم الاستمتاع بالأدب والفن؟ لماذا تحولت "الفنون الراقية" إلى ظاهرة نخبوية تشبع إحساسنا بالعظمة والتفوق أكثر من كونها شيئًا يجسد قلقنا وخوفنا ومشاعرنا وعلاقاتنا.
هذا ما فعلته فرق البروجريس روك في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وخلقت حالة إبداعية تتماشى مع الفلسفة الجديدة لأنبياء الفيزياء الحديثة، فطورت نوعًا آخر من الوعي يجعلك تبصر الموسيقى، لتنقلك الكلمات والإيقاع إلى عوالم أخرى.
ولكن كيف السبيل إلى فهم تلك التجربة ونحن لا نزال أسرى لحواسنا المشوهة، وعقلنا الذي نمطته احتياجاتنا وخوفنا وعقد نقصنا، كل ما نشمه ونسمعه ونبصره هو ناجم عن التماسك الحيوي في خلاياك المبني على الخوف من الخطر، لذا لا عجب أن تحدثنا أمهات الكتابات الإبداعية عن المآسي الكبرى، وتطورت ذائقتنا الفنية على ما يصفه المصريون بـ"المحن"\الشجن الحلو لمآسي الحياة وأحزانها؟
ثمة طريقين لإحداث ثورة في ذوقك وإدراكك تجعلك مؤهلًا للاستماع إلى موسيقى بينك فلويد ورودريجيز وإيلوي الثورية، إما عبر العقاقير المصممة خصيصًا لتحرير إدراكك من الخوف، وإطلاق سراح مشاعرك من القيود التي راكمتها التجارب الطبيعية والنفسية والسياسية والاجتماعية، وهو ما لاننصح به لأن معظم تلك العقاقير محظورة سياسيًا وأمنيًا، بالإضافة إلى أنها تشكل خطرًا سيكولوجيًا لدى البعض يدفعه لارتكاب الجرائم الكبرى.
والطريق الآخر "وهو ما ننصح به" هو ممارسة نوع مما يسمى التأمل المرتبط بالإدراك الحسي، مثل تأمل الشمعة، هذه النوع من الممارسة ستحتاج إليها على الأقل 3 أشهر، لا تستطيع أن تحدث ثورة في مشاعرك وإدراكك لمجرد أنك ترغب في ذلك، تضغط على زر فتحدث ثورة، تراكم ملايين السنين يمكن أن تمحوه في ثلاثة أشهر.
تأمل الشمعة سيوقف عقلك عن التفكير، ويطلق العنان لمشاعرك وإدراكك لأن يتفاعل مع العالم بما أنت مؤهل له كإنسان، تعمل على تخدير الخلايا العصبية المسؤولة عن الخوف والقلق، وتفجر إمكانيات الإدراك غير المتناهية، وفي لحظة تستطيع، وبعد مرور دقائق معدودة على تأملك، ستتداخل نبضات قلبك مع ما تراه وما تسمعه، ستتحول الجدران "التي أثبتت تجارب الكوانتم وهمية صلابتها"، إلى تموجات مائعة مثل البحر، حينها تستطيع أن تنظر إلى أغنية "أي لون تحب" لبينك فلويد، لتبصر ألوانًا تتراقص مع بعضها، وفي النهاية ينتصر اللون الأخضر، تستمع إلى "أتساءل" لرود ريجيز وتشعر بالعالم يهتز مع الأغنية، وأضواء الشموع تتراقص بطريقة ما، كثير من الموسيقى السايكدليك مصممة لتبصرها، لا لتسمعها، إنك تنظر إلى صوت الكوانتم، هل جربت ذلك؟ أهلًا بك إلى عالم الألفية الجديدة.
والثورة التي أحدثها بينك فلويد وزملاؤه ليست في هذا التشوه الجمالي للحواس فقط، ولكن في الكلمات والأمور التي تعالجها، مثل أغنية تتحدث عن اللحظة التي بدأ الإنسان يتعلم فيها الكلام وبداخله شغف لاكتشاف الآخر، وخوف من أن يفضح ضعفه وخوفه وهشاشته، أو رود ريجيز وهو مستاء من هذا العالم الذي بات أسيرًا للعملة الزرقاء، والألوان الباهتة، والتعب الناجم عن البحث عن الشهرة والمال والقبول الاجتماعي.
إن الذين يعشقون الإبداع المكتوب والمرئي والمسموع، مبدعيه ومحبيه في تحدٍ عظيم من علماء الكيمياء والفلك والفيزياء، لأن من المفترض أن يكون الإبداع أكثر اتساعًا في الخيال والاستثارة الجمالية، وأمام الأدباء والشعراء واجب تجاه فنهم، فعليهم أن يثورا على أنفسهم أولًا، ثم يثوروا أذواقهم، حتى يستطيعوا لا أن يواكبوا القفزات الثورية في العلم فقط، ولكن أن يتجاوزوها كما فعل الأدب في العصور الغابرة، وموسيقى البروجريس روك في العصر الحديث.
لقد أصابت لجنة نوبل للآداب بمنح الجائزة للموسيقى، ولا ننسى أن إحدى أعظم أغاني بوب ديلان الحائز على الجائزة هذه السنة "مستر تومبرين مان" غناها وهو في الحانة متأثرًا بغيبوبة إحدى تلك العقاقير، وكان موضوعها انتظار الديلر والاستعداد للإبحار معه في أي اتجاه على السفينة السحرية.
رابط مختصر "ألترا صوت": https://goo.gl/cLeai6
لعبة المرايا
(الخروج من الماتريكس)
مرآة أوشو… الرؤيا في المرآة استنارة
رصيف22
بداية المغامرة
هل فكرتم في أن تقفوا لحظة، أن تنظروا إلى أنفسكم في المرآة طويلاً، لعل شيئاً ما يهزّكم. يحذركم مستر س، حساب على موقع التواصل المعرفي "ريديت"، وسميناه بهذا الاسم، من أن تفعلوا هكذا، يحكي عن نفسه أنّه كان يحب القيام بالتجارب الغريبة التي تمنحُه شعوراً مشوهاً بالواقع، كي يكسر رتابة الحياة، وهو في الـ22 من عمره، لكنّه لم يكن يتخيّل أن لعبته تلك أمام المرآة، ستحول واقعه إلى جحيم. لم يكن يتعاطى المخدّرات، لذا أراد أن يطوّر هلوسته بالنظر إلى المرآة لتشويه الواقع المملّ.
بداية اللّعبة
بدت الأشياء في البداية رائعة، وكان هو مندهشاً للغاية، "من اللطيف جداً أن ترى الأشياء تتغيّر أمام عينيك"، "أتذكر تلك اللحظة عندما تشوّه وجهي، إنه لم يعد مثلي، حتى أنه لم يعد إنسانياً، كنت مسروراً جداً". لذا بدأ يطور تجربته، راح يرى نفسه في المرآة تحت أضواء مختلفة، ضوء ساطع، ضوء أحمر، خافت، وأخيراً اهتدى إلى ضوء الشموع، حتى يلاحظ آثار الضوء على وجهه المشوه. لقد تغيرت حياته بسبب هذه التجربة، كما يقول. أضاء ثلاث شموع لإلقاء الضوء على وجهه، فشعر بألم في بطنه، ينصحكم "لا تتجاهلوا مشاعر إمعائكم، إنها مثل العقل الثاني"، وبدأ يحدّق في عينيه، 20 ثانية مرت، ولكن بدلاً من أن يتغير وجهه فلا يزال كما هو، إذ ذاك قرر أن يستمر فترة أطول، رغم إحساسه بعدم الارتياح، بدأت عيناه تقترب إحداهما من الأخرى، وباتتا محمرتين. يقول "لم أكن أدرك أني أبتسم، ولكني رأيت نفسي مبتسماً على نطاق واسع، إنها ابتسامة واسعة لدرجة أنك ترى اللثة، وعندما أغمضت عيني وفتحتهما مرة أخرى رأيت صورة مشوهة من نفسي، اعتقدت أن لها علاقة بالذاكرة، ثم سأعود إلى وجهي". تجاهل المرآة، ولم ير نفسه في المرأة طوال اليوم، وفي تلك الليلة قرر أن يسرح شعره. أمام المرآة رأى الكائن العجيب لثانية، تلك النسخة المشوهة من نفسه تقف خلفه، نظر خلفه وكاد يصرخ ولكنه لم ير شيئاً.
بدأت نسخته المشوهة تظهر في كل الأشياء العاكسة، في نوافذ مبنى العمل، بِرَك الشوارع، مرآة الحمّام، شاشة الّلابتوب، توقف عن النظر في المرآة، وتخلص من كل الأشياء العاكسة حوله. حتى عندما ذهب إلى رجل دين مسيحي ولازمه فترة طويلة، ثم أخبره عما رآه في المرآة، أشاح بوجهه عنه، ولم ينظر إليه بعد ذلك، فقط يحدثه بعينين تنظران بعيداً.
في المرايا عفريت
يبدو الأمر وكأنّ لعنة أصابته، هكذا تفسر الثقافات الشعبية والقروية في بلادنا العربية طول النظر إلى المرآة، سيمسّكم عفريت ولن يخرج منكم أبداً. أشهر شخصيات المرايا الخرافية وجه ماري الدامي، قبل مئة عام تعرضت امرأة في بريطانيا لحادث فظيع خدش وجهها، ونزَفَت حتّى الموت، وباتت تَظهر في المرايا في هيئة شبح، ويُقال إن من يقف أمام المرايا، ويردد اسمها ثلاث مرات تظهر له. في الثقافات القديمة كانوا يعتبرون ظل الإنسان هو روحه، وكانوا يتجنبون النظر في المياه حتى لا تلتهمهم التماسيح أو الجنيات.
اذا يقول الاطباء النفسيّون عن "عفريت المرآة"؟
يستعرض مقال منشور بموقع "مايند هاك" تجربة عالم النفس الإيطالي جيوفاني كابوتو، يصف التشوهات التي نراها في المرآة بلغته الأكاديمية: "طريقة تطلق الوهم بشكل موثوق به"، ولإتمام التجربة تحتاجون لغرفة يضيئها مصباح خافت "لمبة 25 وات" يوضع خلف المشارك الذي ينظر إلى مرآة كبيرة على بعد 40 سم. المشارك في التجربة لا يفعل سوى النظر إلى وجهه المنعكس في المرآة، وبعد أقلّ من دقيقة يبدأ المراقب النظر إلى "وهم الوجه الغريب"، وأُجرِيت التجربة على 50 شخصاً. في نهاية الحالة التي استمرّت 10 دقائق من التحديق في المرآة، طُلِب من المشاركين أن يكتبوا ما رأوه في المرآة، واختلفت الأوصاف وشملت تشوّهات ضخمة في الوجه بنسبة 66%، ورأى 18% وجوه آبائهم على نحو غير كامل، إذ توجد سمات مفتقدة، و 8% من هؤلاء آباؤهم أحياء، و 10% آباؤهم الذين رأوهم متوفون، بينما شاهد 28% وجهاً نموذجاً مثل وجه امرأة مسنة، أو طفل، أو صورة لسلالتنا السالفة 28%، ورأى 18% وجه حيوان مثل قط أو خنزير أو أسد، أو كائنات خيالية وحشية بنسبة 48%. الآثار الدرامية التي لاحظها المشاركون ناجمة عن مزيج من التشوّهات البصريّة الأساسية التي تؤثر على نظام التفسير الخاص بالوجه، هكذا علّق عالم النفس الإيطالي. ويضيف مقرباً وجهة نظرِه أكثر: يبدأ النظام البصري في التكيّف مع التغيّرات الجديدة مع مرور الوقت، لذا هذا هو سبب أنكم تواجهون تغيرات بصرية عندما تحدّقون في أي شيء لفترة طويلة، ولكن لدينا نظاماً يفسّر الوجوه بسهولة جداً، أي أنّنا دائماً ما نُعيد تركيب الأشكال المشوّهة وكأنها وجوه ندركها أو نعرفها أو نخشاها. وهذا سبب رؤية الوجوه في السحب، والأشجار أو بين نقطتين في الخط، فالدماغ عادةً ينظر إلى الوجوه، ليُمكننا من رؤية الأفراد الذين تختلف فقط وجوههم في سمات صغيرة للغاية، وبحسب تفسيره أيضاً قد يكون هذا ناجماً عن تقلبات منخفضة المستوى في استقرار الحواف، والظلال، وتأثيرات الخطوط العريضة التي تؤثر على التعريف بالوجه، ويمكن أن يحصل في نهاية التجربة على تعريف مفرط بأنه شخص آخر. ولكن هذه التشوّهات أنتجت جملة من المشاعر النفسية المختلطة، إذ 50% اختبروا مشاعر فصامية مُؤثّرة على هويّاتهم، خاصّةً هؤلاء الذين رأوا وجوهاً غريبة، البعض رأى تعبيراً خبيثاً على الوجه، وبات قلقاً، ورأى مشاركون آخرون الوجه مبتسماً، وأدّى ظهور الوالدين المتوفين أو الصور النمطية إلى خروج مشاعر "الاستعلام الصامت"، وأثارت ظهور الكائنات الوحشية الخوف أو الاضطراب، ومنحت تلك التشوهات الديناميكية للوجوه إحساساً شاملاً بالخروج عن نطاق السيطرة.
رؤية العفاريت في المرايا بداية الاستنارة؟
الفيلسوف الصوفي الهندي أوشو يرى أن النظر إلى المرآة هو "تأمل طبيعي". جاء له سوابهافا، يُعرّفه بأنّه شخص خطر في الهند، مليونير، أناه عالية، قال له إنه يريد أن يعرف الحقيقة، سأله أوشو: هل أنت مستعد للمخاطرة بكل شيء؟ أجابه بنعم، قال له: انظر لنفسك في المرآة! وبعد مرور فترة بات يرى شخصاً آخر في المرآة، أصابه قلق، "هل هذا أنا؟" قال له أوشو لست بحاجة إلى السؤال، فقط أشعر بذلك، واصبر، وبعد مدة نظر إلى المرآة فلم يجد نفسه، لا أحد في المرآة، ويربط أوشو تلك الحالة بالاستنارة: إنه شخص سعيد الآن، لقد تحوّل بشكل كامل، أناه ذهبت إلى الربّ، لم يعد موجوداً. يقول أوشو إن الخوف والفزع يحدث لأنكم تخلقون نفسكم في الانعكاس على المرآة، أنتم تخلقون الوهم، ثمّ هو أنتم الذين تحبون وتكرهون، تجدون الأصدقاء والأعداء، وكلهم جميعاً انعكاسكم. ويحكي قصة هندوسية قديمة تقول إن ملكاً عظيماً ابتنى قصراً، وغطّى القصر بملايين من المرايا، تدخلون إلى القصر فترون وجهكم في كثير من المرايا، وإذا أشعلتم شمعة ترون الملايين من الشموع، وفي ليلةٍ ما دخل كلب بالصدفة، نظر الملك حول نفسه فوجد الملايين من الكلاب، أصابه فزع، ونسى أمر المرايا، ملايين من الكلاب حوله، نبح الكلب وكأن مليون كلب ينبح، بات عدائياً، ملايين من الكلاب عدائية، ولكنه نسى مخرج الباب، ووُجِد مُحطّماً بإحدى المرايا، وفارق الحياة. يشبّه أوشو تأمل المرآة بالموت، الخوف يظهر والعطش للحقيقة موجود، وكل ما هو مطلوب منكم أن تتركوا ذكرياتكم ومخاوفكم وهويتكم وتقفزوا إلى المجهول. ويشاركه مؤلف مجهول لموقع "كونداليني تيتشر" في تلك الزاوية، فيحكي أنه رأى وجه كائن فضائي رمادي اللون، ولكنه لم يخف، أدار وجهَه للناحية الأخرى ليتفحّص ملامحه. يرى أن التحديق في المرآة ممارسة لتنشيط العين الثالثة المسؤولة عن الروحانيات والخيال والتواصل الروحي بين البشر وبين الإنسان والعالم، ويقدم لكم نصيحتين: إذا كنتم مصابين بجنون العظمة فهذا النوع من التأمل ليس لكم، وإن لم تكونوا كذلك فلا تخافوا إن رأيتم شياطين أو قروداً أو ووجوهاً بائسة، إنها فرصة لأن تحضنوا العالم بِحُبّ، تقبّلوا تلك الوجوه فالعالم واحد أحد. يُسمّيها "لعبة المرايا" ويجدُها متعة أن تمارسوها وحدكم أو مع الآخرين، في الحمام أو مع أخرين، في أضواء خفيفة أو تحت ضوء الشفق. ركّزوا في المرآة، كلما كان تركيزكم أعلى تحركت العين الثالثة، حتى تشرع الوجوه الأخرى بالظهور، وحياتكم الماضية، وكائنات فضائية، وشخصيات من أجناس أخرى، وفي أزمنة أخرى، وجه ثور. يقول إن بعض الوجوه قد تكون مخيفة للدرجة التي تجعلكم لا تنظرون، هذا هو تحدّي لكم لتعطوا الحب غير المشروط لكل ما ترونه. هل تحب شريكتك لطلاقة وجهها وخفة دمها وخصرها الملفوف، هل تشعر بالذعر كلما رأيت شعرة تسقط من رأسك، أو تجعيدة ترتسم على وجهك، أنظر لنفسك في المرآة ولا تخف، إنها فرصتك، وتحدٍ لأن تقبل نفسك وتحب العالم كله في وجهك. ولعلك تستيقظين ذات يوم وتنظرين إلى المرآة، وترين شعرك غزاه البياض، والتجاعيد على وجهك، فتبتسمي لك، وتحبي نفسك أكثر.
البداية (الثقوب السوداء)
هي بداية النجوم، والنجوم بداية الكواكب والنيازك والأقمار، وهي نهاية النجوم أيضًا، وبداية الثقوب السوداء، التي بدورها ينتهي عندها كلّ شيء، ليس فقط الزمان والمكان والعقل، فالعين البشرية أيضًا لا تستطيع النظر إلى ما بعدها.
تخيّل اليونانيون القدماء أنّ الأرض هي المركز، وأنّ الأجسام تسقط إلى مركزها مدفوعة بِثقلها، وأضاف غاليليو أنّ الهواء يتدخّل في مدى جاذبية هذا المركز للأجسام، حتى جاء الانقلاب الأول في خيالنا حيال الجاذبية من قبل إسحاق نيوتن، الذي رأى أنّ كلّ جسمٍ يبذلُ جهدًا لِجذب جسم آخر، وعلاقة الجاذبية تلك مبنيّة على كتلة الجسمين والمسافة بينهما.
أمّا أينشتاين فيشرح الجاذبية بأنّها أكثر من مجرّد قوة، هي انحناء مُستمرّ في الفراغ، كحَجَرٍ ثقيلٍ مُلقَى في وسط قِطعة قماش، فالكتلة لأي جسم تدفع الفضاءَ إلى الانحناء، والانثناء، تمامًا مثلما يفعل الحجر مع نسيج القماش، لِتسقط الكرات الأصغر باتجاه الأجسام الأكبر.
وحركة تلك الكواكب حِيال النّجم، الكتل الأصغر حيال الكتلة الأكبر، تُشبه دراجة تُسرع مائلة في مضمار السباق، قوّة سِحريّة تشدّ الأجرام حولَها، ولكنّها لا تُرى، إذ ليست كسائر قوى الجذب الكونيّة الأخرى.
نظرة تبدو وكأنها خارجة من الخيال العلمي، لقد علمتنا الفيزياء الحديثة أن ننحي تجاربنا اليومية جانبًا ونحن نتأمل الأجرام في السماء، أو جسيمات الذرة على الأرض، وفي الجاذبية، حتى نفهمها، علينا أن ننسى أنّ الزمان والمكان منفصلان، فما هذا الفضاء سوى فراغ تتحرك فيه الكواكب مشدودة بخيط سحري إلى النجوم، ونسيج تشوهه كتل الأجسام الكبرى، كلما كانت كتلة الجسم أكبر، خلقت تشوّها في هذا النسيج، وانثناءات في "القماشة" المستوية.
تحول الجاذبية السماء إلى قصص أسطورية، نجوم عزباء، وأخرى مُتزوجة، تستجيب لها مواد، بينما ترفع رايات العصيان موادُ أخرى كشيطان يرفض السجود لآدم.
عمر النجوم يُحسب بمليارات السنين، وكُلّما كانت كُتلتها أكبر كان عمرُها أقصر، حيث تَحوي قلب تلك النجوم أفرانًا نووية تصهر موادَها، وتعيش حالة من التوتر، فتلك الحرارة الفائقة تُوَلّد ضغطًا للخارج، والجاذبية الخارقة تخلق ضغطًا للداخل، وهذا التوتر يسميه العلماء "Main sequence". من هذا التوتر والصراع الداخلي للشمس، يأتينا ضياؤها وحرارتها بالدرجة التي سَمَحَت بوجود ظاهرة الحياة.
وأثناء هذا التوتر، تُفضّل بعض النجوم ألّا تعيش وحيدة، تبحث في هذا الفضاء الواسع عن حبيبة، نجمةٍ أخرى، وتتزحلق على "قماشة أينشتاين" خالقة انحناءاتها وانثناءاتها، مستخدمةً القوة "الإلهية" الخفيّة، الجاذبية، لجذب كل الأجرام التي تقترب منها، متباهيةً أمام النجمات الأخرى بإمكاناتها، حتّى تقترب من نجمةٍ أخرى، وتتبادلان القبل، ولكن لا تتبادلان الأحماض الهرمونية مثل قبلات البشر.
وعندما يتقاعد النجم، المرحلة التي يصفُها العلماء بالقزم الأبيض، ولم يَعُد لديه ما يحرقه في قلبه، يبعث إليها برسالة حبّ على شكل ضوء أبيض، نداءات صديق موجوع تسمعها العديد من النجوم، وتستجيب حبيبته، ويمتصّ منها غاز الهيدروجين مستخدمًا قوة الجاذبية، ممّا يسمح له بأن يكبرَ ما يوازي 40% من حجم شمسنا، ويموت ميتةً يصفُها الفلكيون بالهادئة، ويُصنّفونها: "السوبرنوفا".
وتتحوّل بعض النجوم إلى كيان مرعب، ليس فقط للأجرام السماوية التي يلتهمها جميعًا، ولكن للفيزيائيين الذين وقفوا عاجزين عن فهمه: الثقوب السوداء.
ولكن النجوم غير المتزوجة ترفض "النيوترونات" فيها أن تسمع أوامر "الجاذبية"، ترفض الانكماش والتحوّل لثقب أسود، جاذبية خالصة غير مرئية، تجذب أصغر الكواكب وأضخم النجوم، ليكمل النجم الأعزب رحلته المتبقية شيطانًا يُطلق عليه الفيزيائيون "نجوم نيترونية"، على عكس العقل البشري الذي انهزم أمام تلك الجاذبية المطلقة "الثقب الأسود"، يرسم أينشتاين خيطًا مائلًا يسميه الأفق، لا أحد يستطيع أن يرى ما وراءه، هذه أقصى حدود العقل البشري.
اكتشاف الجاذبية التي صاغت كل تلك الدراما الكونية منذ الانفجار الكبير حتى الثقوب السوداء، وهي نهايتنا المحتملة، حمل زلزالًا كبيرًا للعقائد الدينية، ظلّ الدين وحده لفترات طويلة يحتكر "رؤية" مكتملة عن بداية الخلق ونهايته، للمرّة الأولى التي تُصاغ فيها رؤية "مكتملة" عن الكون فيزيائيًا منذ النشأة حتى النهاية المحتملة.
يجادل ستيفن هوكينغ دائمًا أنه مع وجود الجاذبية لا حاجة لنا للرب، هناك ما ينوب عنه في الفيزياء، يُثمن زاك إل ويلسون، كاتب ومنتج، في مدونته أهميّة اكتشاف الجاذبية بالنسبة إلى الوعي البشري، وأنّ الفرق بين البشر والحيوانات هو أن البشر تساءلوا: لماذا تسقط الأجسام؟ وأن هذا التساؤل بدأ يقربنا من "الله"، وعندما اكتشفنا الإجابات بدأ الله يُظهر نفسه للناس في الجاذبية، يقول ويلسون: لقد تمكّن أينشتاين من أن يرى قطعة من الكون ويترجمها لنا في نظرية الجاذبية النسبية، مثلما رأى موسى الله وترجمه لنا في الوصايا العشر.
ولكن، من ناحية أخرى، فإن المؤمنين بنظرية "الماتريكس" يدعونكم لعدم تصديق كل ذلك: الجاذبية والزمان والمكان والكوانتم، ويدعونكم للتساؤل: هل فسّرت نظرية واحدة كل الظواهر؟ كلّ نظريّة لا تستطيع تفسير كلّ الظواهر الكونية، ولكن بتفسيرها ظواهر أكثر تتحوّل من فرضيّة إلى نظرية علمية.
تساءلوا: لماذا عقولنا قادرة على تفسير ظواهر كونية، ولكنها لا تستطيع معرفة كيف تحدث أنشطة أعصابنا الإدراك؟ لا أحد يعرف كيف تعمل خلايا الأعصاب في عقولنا، ليس ذلك فقط، إنّ الفيزيائيين الذين تؤمنون بنظرياتهم لا يولون أهمية لكل الفلسفات الخاصة بخلق الكون ونهايته، الأمر لديهم فقط معادلات رياضية، وحسابات رقمية، هل تدرون لماذا؟
تجيبكم نظرية الماتريكس أن العقل البشري هي أداة تطوّر مُسخّرة لإبقائكم أحياء مدة زمنية تكفي لأن تتعرّفوا على صديق/ة وتنجبون منه/ا، ثمّ لتذهبوا إلى الجحيم بعد ذلك، وكل هذه الطاقة الكبيرة لعقولنا ليس لسبب "إلهي"، أو تكريم لنوعنا، إنّ تحديات البقاء أحياء منذ 20 ألف عامًا كانت كبيرة، إن لم تكونوا أذكياء كأينشتاين ستموتون حرفيًا، وبعد أن انخفضت مستويات التحديات كثيرًا، تُصحّح آلية البقاء من عقولنا.
والدليل أنّ علماء الانثربولوجيا لاحظوا أنّه كلّما تقدمنا بالزمن كلّما انخفضت أحجام عقولنا، وبالتالي تضاءل إدراكنا، وكما نقف الآن أمام الاهرامات التي بُنيت منذ أكثر من 3 آلاف عام مذهولين، سيقف أحفادنا بعد 3 آلاف عاما مبهورين بالتكنولوجيا والصواريخ الفضائية التي اخترعناها.
يدعوكم أوشو لأن تُغيّروا مصادر طاقتكم، لا تستمدوا طاقتكم من العالم، بل من أنفسكم، بحيلة بسيطة، انظروا إلى أنفسكم في المرآة.
ليس ذلك فقط، يؤمن أصحاب نظرية الماتريكس أنّ عقولنا لم تُخلَق مطلقًا من أجل المعرفة وإدراك الواقع الخارجي، فببساطة عقولنا تستقبل الكثير من المعلومات أكثر مما تتحمّله ضرورة بقائنا، لذا تعمل خلايا الأعصاب على آليتين: ضغط المعلومات، وشفرة تصحيح الأخطاء، استقبال أقلّ عدد من المعلومات يسمح لكم بالنجاة، وآلية تشبه تلك التي تستخدمها المعالجات الذكية في حواسيبنا "شفرة تصحيح الاخطاء"، تسمح بتعديل ذاتي للأخطاء الواردة.
أكثر بيئة صديقة لتلك الآليتين هي البيئة ثلاثية الأبعاد، تسمح لشفرة تصحيح الأخطاء العمل بكفاءة عالية، أمّا الواقع الحقيقي سطح ذو بعدين يمطرنا بوابل من الأصفار والآحاد، وتعشق تلك الآلية "شفرة تصحيح الأخطاء" الآرقام خاصّة المعادلات الرياضية، إنّها بحسب نظرية الماتريكس في قلب آلية "ضغط المعلومات" وشفرة تصحيح الاخطاء تمامًا مثلما تعمل حواسيبنا بالزيرو والواحد، ألم تسألوا أنفسكم لماذا يعمل عقلنا بكفاءة عالية رياضيًا، لقد تمكنّا من التقدم التكنولوجيا والعلمي رياضيًا أكثر من التأمل الفلسفي أو الحدس الإبداعي؟
هل كان لنا أن ندرك الجاذبية بدون المعادلات الرياضية الحسابية؟ هل توجد طريقة أخرى؟
لذا يُثمّن الصوفيون والبوذيون في الشرق منذ آلاف السنين الإبحار في عوالم النفس التي هي بنظرهم نسخة أوسع من الكون الواسع، وأكثرها صدقًا، يقول أوشو، المعلم الروحاني الهندي، منتقدًا، أنّ الطاويين اكتشفوا الثقوب السوداء قبل الغربيين، ولكن في داخلنا وليس خارجنا.
يقول أوشو لقد اكتشف الطاويون الثقوب السوداء منذ زمن طويل، إنهم لم يكونوا مهتمون بالفضاء البعيد، إنهم منشغلون بالثقوب السوداء داخلكم، ويُعرّفها بأنّها الحالة التي تنفقون فيها كلّ طاقتكم، وتصبحوا منهكين، وخاويين من الداخل.
ويُثمّن أوشو رأي الهيبيين فيمن يتجاوزون الثلاثين عاما، يقولون "لا تُصدّق أحدًا في الثلاثينات"، في هذا العمر يكون معظم الناس أنفقوا طاقتهم، وحرقوا شغفهم في قلوبهم، حينها يمسون أمواتًا، ولكن ليظلّوا أحياءً يبحثون عن موضوع خارجي، صديقة تمدّهم بمشاعر وحميمية، وتنجب لهم أولادًا، حتى يجد لطاقته، عمله ومشاعره، معنى، ويُكمل حياته، وعندما يتقاعد يموت موتًا هادئًا، كالقزم الأبيض الذي تحدثنا عنه.
ولكن هل يمكن للإنسان أن يصارع الجاذبية؟، ألّا يتحوّل لثقوب سوداء، ويستمرّ في إرسال الشعاع والحرارة، بحسب أوشو هذا ممكن.
وفي حالة أشبه بالنجوم النيترونية الشيطانية التي تتزحلق في نسيج أنشيتاين في السّماء رافضة أن تموت في الجاذبية ثقوبًا سوداء، يدعوكم أوشو لأن تُغيّروا مصادر طاقتكم، لا تستمدوا طاقتكم من العالم، بل من أنفسكم، بحيلة بسيطة، انظروا إلى أنفسكم في المرآة، طويلًا، فقط بضع دقائق كل يوم، بهدوء وبلا أفكار أو كلمات، ثم اعكسوا الآية، اعتبروا انعكاسكم في المرآة هو أنتم، وأنتم انعكاسكم في المرآة، حينها يعدكم أوشو بوجود طاقة كبيرة تتحرّك داخلكم، سترعبكم في البداية لأنها حالة غريبة وغير مألوفة.
إنها ترسم دائرة كاملة من الجاذبية تخرج منك وتعود إليك، وهذه الدائرة الكاملة وحدها فقط ستنقذك من الثقوب السوداء، شيء ما خالد سيخترقك، ولن تعود أرضيًا، لن تموت حتى لو مات جسدك، ستتحول إلى كينونة أبدية شبيهة بالنجوم النيترونية، وستمشي في الأرض بطاقة غريبة تخترقك، كما يتزحلق في سماء أينشتاين النجوم النيترونية، رافضة أن تموت.
الحلم والهلوسة خارج عالم اليقظة.. لنتحول من كائنات يخشى بعضها بعضًا إلى أفراد يتبادلون مشاعر السلام والحميمية
رصيف22
نفتح عيوننا صباحًا، الغرفة ذاتها، نغسل وجوهنا، ونُبدّل ثيابنا، ونتعارك مع السيارات في أجواء ملوّثة بالعوادم والدخان، ونقضي الساعات في مكاتب مُغلَقة لأداء مهمات وظيفتنا، وعند بزوغ القمر نقابل أصدقاءنا، وفي منتصف الليل نمارس الحميمية مع شركائنا، ثمَّ نغمض عيوننا مرّة أخرى. يُقسّم علماء نفس العالم الذي نعيش فيه، كما نراه ونحسّه ونختبره، إلى عالمين: الوعي، أو اليقظة، والأحلام، أو الخيالات؛ فعندما نستيقظ يخلق عقلنا ما نُسمّيه "الوعي"، يُحوّل العالم إلى صور تُثير فينا مشاعر ورغبات، نتحرك لإشباعها، وعندما ننام، ويتوقف تفاعلنا مع العالم، يخلق عقلنا وعيًا آخر، صورًا متحركة وساكنة تعكس رؤيتنا الفردية، وخبرتنا الداخلية. هذا "الوعي الآخر" يتجلّى أيضًا في تلك الممارسات التي نتوقف فيها عن ممارسة أيّ نشاط واقعي، مثل التأمّل، أو تناول عقاقير الهلوسة، حيث يتكشّف لنا عالم نراه بعيون أخرى. تلك الصور التي نراها، يعتبرها عالم النفس الألماني أريك فروم في كتابه "اللغة المنسية" لغتنا الأصلية، ويُسمّيها نيك ساند، الكيميائي الأمريكي وأحد أبرز طباخي الأسيد، عالم "الماوراء" المتجاوز للتقسيمات، والتصنيفات، الذي قد يكشف بتأمّله عن شفرة كينونتنا. وقبل أن ندخل إلى تلك اللغة، الأساطير والرموز والخيالات، ونستعرض أحوالها، علينا أن نتحسّس ملامح "اللغة الواقعية" التي نختبرها ونحن في حال اليقظة.
الوعي: هلاوس كابوسية صنعتها السلطة
ما يراه آلان واتس، المحاضر الأمريكي المتبني لبوذية الزن، مستلهمًا كشوفات علماء الأعصاب أنّ العقل البشري بملايين الخلايا العصبية الراقصة في جماجمنا يخلق دراما فانتازية، لا علاقة لها بالواقع، الهدف منها فقط أن تُبقينا أحياء، يُعَرّفك معنى حياتك، يقنعك بأنّ البقاء حيًا لعبة ممتعة وذات معنى، نتمسك بتدينّنا. وفي منتصف العمر نتخلّى عمّا كنّا نعتقد أنّه حق، نُبَدّل أحلامنا، ورغباتنا، الجنس والصخب بالموسيقى الهادئة والتأمل، الانفلات الأخلاقي بالتزمت الديني، وإذا كنتَ ذكيًا ومثقفًا، فسيجعلك متميزًا، تكفر بدين الغالبية، وتمارس اليوغا، وتعمل في وظائف إبداعية. وفي النهاية، اختر ما شئت، فكل ما تعيشه لعبة، حتّى وإن فَقَدَت متعتها ومعناها، لن يعدم وعيك سببًا واحدًا يُقنعك بالاستمرار في اللعبة.
وتقول نظرية الماتريكس أنّ الواقع الحقيقي أشبه بأزيز محطات الراديو عندما يتوقف الإرسال، لا شيء سوى التشويش، نبضات كهربائية، وليس على أدمغتنا سوى أن تحوّلها، عبر آليات تشبه برمجة الحاسوب: "ضغط المعلومات"، و"شفرة تصحيح الأخطاء"، إلى عدد من المعلومات يسمح لنا فقط بالبقاء أحياء، فالواقع أشبه بأصفار وآحاد، ولا علاقة للصورة المجسمة الثلاثية الأبعاد به.
أمّا بالنسبة إلى آريك فروم، فإنّ عالم اليقظة تم مسخه وتدميره، حيث باتت الوفرة التي تكفي لتلبية حاجات البشر جميعًا، في يد قِلّة محظوظة، ترغب في الاستئثار بها، والدفاع عنها ضد مطامع الآخرين، الذين باتوا يهددون امتيازات القلة، الذين لم يحبّوا إخوانهم كما أوصت الأديان. وتحوّلت "سلطة الغالب" إلى "قوة جسدية تُجبر الجموع على الاكتفاء بما قُسم لها"، ولأنّ هذه القوة ناقصة، فهي مضطرة للتسلط على أذهان الناس، ومراقبة أفكارهم ومشاعرهم، ومع مرور العصور، تشوّه العقل البشري، حتى السجان تحوّل إلى سجين، وبات الإنسان منساقًا للسيطرة على الآخرين، عاجزًا عن الحب، والاطمئنان الداخلي. في هذا الإطار، مهمة الإنسان المستيقظ تتلخص في الحفاظ على بقائه، لذا فهو خاضع للقوانين التي تحكم الواقع، وهذا يعني أن عليه أن يفكر ضمن إطاري الزمان والمكان، اللذين تتحكم فيهما نظم سياسية تربي فيك عبر مؤسسات المدارس والكنائس والإعلام الخضوع للسلطة، وقهر وعيك الفردي، ولكن عندما نتوقف عن التفاعل مع العالم، إمّا لأننا نائمون، أو لأنّنا نمارس التأمل، حيث الصمت والانفتاح على العالم الداخلي، أو نتناول عقاقير الهلوسة حيث تظهر أشكال وألوان لا علاقة لها بالواقع الفعلي.
ماذا يحدث؟
يقول فروم إننا عندما نستغرق في النوم، نخلو بأنفسنا، وتتولّد لدينا القدرة على التبصّر في أمر ذواتنا بمعزل عن تأثير الضوضاء والضجيج، وبمنأى عن الحماقات التي تحاصرنا كل يوم، ومِن ثمّ نحسّ بشكل أفضل، ونفكر بشكل أسلم، وتصبح أحاسيسنا وأفكارنا أقرب إلى الحقيقة، وأشد غنىً وثراءً. النوم والتأمل والهلوسة تعزلنا عن الحضارة، وتعيدنا إلى الطفولة، مرحلة ما قبل فقداننا لـ"الذكاء الكوني". يقول عالم النفس تشارلز فيرنهوه إنّ شيئين يأتيان معًا في الطفولة المبكرة: الذكاء الكوني، واللغة. هناك ذكاء أساسي، الطفل في عمر السنة قادر على القيام بعدة مهمات، يُبادر بالحركة، يتذكّر أشياء، يحلّ مشاكل، ولكنّه ذكاء ما قبل اللغة، ثمّ تأتي اللغة، وتتغيّر طريقة تفكيرك، شيء ما في عمر العامين يُخلق بداخلك، شيء خاص جدًا، وفريد في الكون، تنتزعه منك اللغة المنطوقة. ويحاجج فيرنهوه بأن لدى الكثير من الناس لغة إشارات وصور داخلية، ينظمون من خلالها أفكارهم، لا علاقة لها باللغة المنطوقة. يوجز فروم الأمر قائلًا: الأحلام عند النوم تتحوّل إلى "أمور فعلية"، وعلى درجة من الواقعية حتى تجعلنا نسأل أنفسنا ما هو الواقع. الفرق بين الحلم واليقظة هو فرق "بين صيغتين من صيغ الوجود".
يونغ: الواقع حلم
يرى يونغ أنّنا إذا درسنا الأحلام ورموزها، وتوحّدنا معها، يتحوّل الحلم لحالة وعي، وتستحيل الأنماط البدائية التي تسيطر على أحلامنا إلى معانٍ نمارسها يوميًا في حياتنا. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، أنّ هذه الرموز التي تعترضنا في أحلامنا، يمكن أن تظهر في يقظتنا على شكل مُنبّهات أو أطياف بصرية وسمعية، يسميها "الخيال الفعال"، ويتحول بعض ما نراه إلى "إشارات" تُنبهّنا على أفعالنا، أو تزيد من قدرة يرى يونغ أنّنا إذا درسنا الأحلام ورموزها، وتوحّدنا معها، يتحوّل الحلم لحالة وعي، وتستحيل الأنماط البدائية التي تسيطر على أحلامنا إلى معانٍ نمارسها يوميًا في حياتنا. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، أنّ هذه الرموز التي تعترضنا في أحلامنا، يمكن أن تظهر في يقظتنا على شكل مُنبّهات أو أطياف بصرية وسمعية، يسميها "الخيال الفعال"، ويتحول بعض ما نراه إلى "إشارات" تُنبهّنا على أفعالنا، أو تزيد من قدرة التكهن بمستقبلنا، حالة سمّاها "التزامن". via GIPHY كتبت ماري لويز فون فرانز، باحثة نفسية في مدرسة يونغ، أنّ الأحلام هي "صوت الطبيعة في داخلنا"، وقد تكون الأحلام هي المكان السّرّي الذي يتقابل فيه الإنسان والكون، ويتفاعلان في عملٍ جماعي. وقد استردّ يونغ توازن شخصيته العاطفي عبر حوار مع صور الخيال والحلم كما لو كانت هذه الشخصيات موجودة في عالم اليقظة، اتخذ قرارًا واعيًا بالسقوط في الأعماق، هبط على قدميه، وبدأ في استكشاف المشهد الداخلي الغريب، حيث التقى أول سلسلة طويلة من الشخصيات الداخلية، شخصيات خيالية بدت وكأنّها تجسد مخاوفه، ومشاعره القوية، ومع مرور الوقت أدرك أنّه عندما تمكّن من ترجمة مشاعره إلى صور، شعر بهدوء داخلي، وطمأنينة، واكتشف حينها أنّ مهمته تتمثل في العثور على صور مختفية في العواطف. بحسب "الكتاب الأحمر"، فقد اختبر يونغ عددًا من الهلوسات البصرية، وبدأ يستحضر الصور الخيالية إراديًا، وهو في الثانية عشرة اجتاز ساحة الكاتدرائية في بازل بسويسرا، وأعجب بالشمس المشرقة على سقف الكاتدرائية، وخطرت له فكرة، ولكنّه شعر أنّها خطيئة؛ فكبتها، وظلّ متضايقًا لأيام، ولكنّه عدل عن رأيه، واقتنع بأنّ الله أراد له أن يفكر بهذه الطريقة، حينها رأى الله على عرشه، يُطلِق روثًا ضخمًا على الكاتدرائية، ويُحطّم سقفها، ويُدمّرها.
وفسّرها بعد ذلك بأنّها "تجربة الله الحي المباشر الذي يقف بكامل قدرته وحريته فوق الإنجيل والكنيسة". يقول يونغ إنه رأى أثناء اليقظة رؤية لأوروبا وهي تتعرّض للتدمير بفيضان كارثي، وفي الرحلة نفسها تكرّرت الرؤيا مرتين، فخشي أن يُجنّ، وأنّه قد يتعرض لخطر الإصابة بالذهان، وذات ليلة شتوية وقف عند النافذة، ونظر إلى الشمال، ورأى تَوَهّجاً دموياً أحمر مثل وَهَج البحر، يَمتدّ من الشرق إلى الغرب عبر الأفق الشمالي، ثمّ سأله شخص عن رأيه في أحداث العالم بالمستقبل القريب، وقال "ليست لدي أفكار، بل رأيت أنهارًا من الدم". يُعلّق يونغ على هلوساته: "السماح للأخيولة في داخلي بالخروج له التأثير نفسه الذي سيحدث عند إنسان إن دخل ورشته، ووجد أنّ كل أدواته تطير في المكان، وتقوم بأشياء مُستقلّة عن إرادته". وحرّض يونغ على أن يتخيل الأفراد أشخاصًا خياليين، يتحدثون إليهم، وقد تجلّت له في حال اليقظة شخصية فيلمون الأسطورية، وقال إنّها تطوّر من شخصية إيليا، يُوضّح ملامحها أكثر: كان فيلمون وثنيًا، وأحضر معه جوًا مصريًا، هيلينيًا، مع ألوان غنوصية. علّمني الموضوعية الروحية، وواقع الوساطة الروحية، من خلال المحادثات مع فيلمون أصبح الفرق بيني وبين موضوع أفكاري واضحًا نفسيًا، كان فيلمون يُمثّل بصيرة سامية.
ويشرح يونغ أكثر: أنا غير واثق في المنح الإلهية الصافية، لأنك إذا عرفت الكثير عن لاوعيك فسيكون أمامك تحدٍّ، كيف توازن بين اللاوعي والوعي، لأنه سيصبح وعيًا. يقول م.ر صحفي 29 عاما أنّه رأى في إحدى تريباته فتاة شقراء ذات شعر أصفر، وكأنّها جنية قادمة من أساطير يونانية، "بدت حقيقية حتى أكثر منّي"، وعندما نظر إلى يده، وجدها شفافة تظهر وتختفي، ولما رأى نفسه في مرآة المرآة شاهد طفلًا صغيرًا ذا خمس سنوات، يقول: "لقد تغيرتُ بعدها، بدأتُ أفقد ثقتي فيما أراه، كأنّ عقلي يعبث معي طوال حياتي". وأنا جالس على الأريكة في منتصف الليل، رأيتني صباحًا وأنا في مكان صحراوي، وكهف أمامي، يخرج منه هندي أحمر، ثمّ يأمرني بأن أنظر إلى يساري، شعرت بخدَر لذيذ في دمي وعظمي، وتذكّر جسدي أول لمسة حميمية من صديقة في فترة الجامعة، ورأيتني طفلًا يركب حمارًا أبيضًا وسط حقول في قريتنا، حيث بدا الأفق أخضر، والحياة واعدة بمخاطر ومفاجآت لانهائية.


